قطاع غزة:
"كل رسمة رسمتها خلال الحرب خرجت من واقع عشته أو شاهدته عن قرب".. هكذا تقول رسامة الكاريكاتير الفلسطينية صفاء عودة، التي راحت تُجسد وجوه الجائعين وطرقات النزوح، والبيوت التي صارت ركامًا في قطاع غزة، لتنقلها كلها إلى الورق كما حفظتها عن ظهر غيب أمام عينيها يومًا بعد يوم تحت حرب الإبادة الإسرائيلية.
في مواصي خان يونس، حيث تقيم نازحةً مع عائلتها، وصل خبر فوزها بجائزة "كوفي عنان" للشجاعة في الكاريكاتير لعام 2026، خبرٌ جاء من عالم ممتد وواسع إلى خيمة تطبق على أنفاس أصحابها تحت شمس لهّابة، فيما تعيش غزة المشاهد ذاتها التي منحت الشابة هذا التقدير الدولي.
تقول صفاء لـ"نوى" إن لحظة تلقي الخبر حملت مشاعر متناقضة، فرحت لأن رسوماتها وصلت إلى جمهور واسع خارج القطاع، واستحضرت في الوقت نفسه كل ما عاشته وعاشه الناس من حولها خلال شهور الحرب الطويلة، مضيفة: "شعرت أن الجائزة ليست لي وحدي، وإنما لكل إنسان يعيش هذه المعاناة".
في مواصي خان يونس، حيث تقيم نازحةً مع عائلتها، وصل خبر فوزها بجائزة "كوفي عنان" للشجاعة في الكاريكاتير لعام 2026
تنحدر الفنانة من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وتحمل درجتي البكالوريوس في الاقتصاد المنزلي والتعليم الأساسي، إلى جانب درجة الماجستير في علم النفس، حيث انعكست هذه الخلفية على تجربتها الفنية فحضرت التفاصيل الإنسانية والنفسية بقوة في أعمالها، خصوصًا خلال الحرب.
قبل الإبادة، كانت صفاء تتناول في رسوماتها قضايا اجتماعية متنوعة، ومع اتساع دائرة الدمار والنزوح، تغيرت موضوعاتها تلقائيًا، فأصبحت الحياة اليومية في القطاع مادتها الأساسية: عائلات تحمل ما تبقى من مقتنياتها، أطفال يواجهون الجوع، وأمهات ينتظرن أبناء غابوا تحت القصف أو في رحلة النزوح.
تخبرنا بأن أكثر الرسومات تأثيرًا بالنسبة إليها كانت تلك التي تناولت الفقد والجوع والنزوح، لأنها مست جوانب عاشها الفلسطينيون بصورة مباشرة، موضحة أن الرسم تحول خلال الحرب إلى وسيلة لفهم ما يجري حولها والتعبير عنه في الوقت نفسه.
ولم يكن الاستمرار في العمل الفني أمرًا يسيرًا، فقد واجهت ظروفًا قاسية رافقت معظم سكان القطاع؛ منها التهجير المتكرر والخوف الدائم، انقطاع الكهرباء ونقص في أدوات الرسم، ومع ذلك، واصلت العمل كلما سنحت الفرصة، انطلاقًا من قناعة بأن ما يحدث يحتاج إلى من يوثقه ويحفظ تفاصيله.
وترى صفاء أن الكاريكاتير يمتلك قدرة خاصة على إيصال الرسائل الإنسانية والسياسية، لأن الصورة تختصر أحيانًا ما تعجز عنه صفحات كاملة من الشرح، قائلة: "رسمة واحدة قد تنقل وجعًا كاملًا أو تشرح واقعًا يصعب وصفه بالكلمات".
وحملت الأعمال التي نالت عنها الجائزة رسائل تتعلق بحق المدنيين في الحياة والأمان، ورفض الظلم الواقع على الفلسطينيين في غزة، إضافة إلى نقل صورة عن المعاناة اليومية التي يعيشها السكان تحت وطأة الحرب.
تواصل رسم غزة كما تراها كل يوم؛ مدينة مثقلة بالخسارات لكنها تحتفظ رغم ذلك بقدرتها على الحكاية
أما التفاعل مع رسوماتها، ففاجأها حجمه واتساعه، خصوصًا خارج القطاع، إذ تلقت رسائل من أشخاص في دول مختلفة قالوا إنهم تعرفوا إلى جانب من حياة الفلسطينيين من خلال تلك الأعمال، وفي غزة، وجدت أن كثيرين رأوا في الرسومات انعكاسًا مباشرًا لتجاربهم الشخصية وتفاصيل أيامهم.
بعد هذا الفوز، تطمح صفاء إلى تطوير تجربتها الفنية وتقديم أعمال أكثر تأثيرًا وانتشارًا، غير أن أمنيتها الأكبر تبقى أبسط من أي جائزة أو إنجاز مهني وهي أن تنتهي الحرب وأن يتمكن الفلسطينيون من العيش بأمان واستقرار.
حتى ذلك الحين، تواصل رسم غزة كما تراها كل يوم؛ مدينة مثقلة بالخسارات لكنها تحتفظ رغم ذلك بقدرتها على الحكاية، وتختم: "بين خيمة النزوح والورقة البيضاء، سأواصل عودة توثيق ما يعيشه الناس، مؤمنة بأن الفن قادر على حمل الحقيقة إلى أبعد من حدود المكان".


























