شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 27 مايو 2026م23:02 بتوقيت القدس

في خيام النزوح بغزة .. عيد الأضحى "ذكرى وأمنيات مؤجلة"

27 مايو 2026 - 14:29

في خيمة صغيرة غرب مدينة خانيونس، تجلس أم محمد النواجحة أمام موقد بدائي مصنوع من طوب مكسور وبقايا حديد، تُشعل ناره بأوراق جافة. أطفالها الثلاثة ينظرون إليها من باب الخيمة، أكبرهم لا يتجاوز التاسعة، منذ أيام وهم يسألونها بعيون لامعة وصوت واثق: "ماما.. راح يكون في أضحية هذا العيد؟".

تبتلع أم محمد إجابتها قبل أن تصل إلى شفتيها، تدير وجهها نحو الموقد، وتقول بصوت لا يكاد يعلو على صوت اللهب: "كنا نشتري حتى لو خروف صغير بالمشاركة مع إخوتي، المهم يفرح الأولاد ويحسوا بالعيد، اليوم بالكاد نستطيع تدبير رغيف خبز، فكيف سنشتري ولو كيلو من اللحمَ ليشعر أطفالنا بالعيد!!

طفلها الأصغر لا يتذكر أصلاً شكل العيد قبل الحرب، ولد في زمن الخيام والقصف والطوابير الكثيرة، بالنسبة له، لم يكن العيد يوماً غير هذا الذي يعيشه اليوم، ازدحام في  مراكز المساعدات، وخوف من صوت يأتي من السماء، وخيمة تتسرب منها حرارة الصيف وبرد الليل في آنٍ.

للعام الثالث على التوالي، يدخل عيد الأضحى إلى قطاع غزة بلا أضاحٍ ولا أسواق مكتظة، ولا تلك الأصوات التي كانت تختلط فيها التكبيرات بحركة شراء المواشي، وحدها الخيام الممزقة، وصفوف الجوع، ورائحة الدخان المتصاعد من حطام البيوت، تسبق العيد هذا العام إلى قطاعٍ أنهكته الإبادة والحصار..

وكانت وزارة الزراعة في غزة قد أعلنت أن أكثر من مليوني فلسطيني سيُحيون عيد الأضحى هذا العام دون أضاحٍ؛ نتيجة التدمير الواسع الذي طال قطاع الثروة الحيوانية، فضلاً عن الحصار المفروض الذي حال دون إدخال أي مواشي للقطاع منذ اليوم الأول للحرب، في وقت فقد فيه آلاف المربّين مزارعهم بالكامل، إما بفعل القصف المباشر، أو بسبب انعدام الأعلاف والرعاية البيطرية.

كان عيد الأضحى في غزة قبل الإبادة موسم له طقوسه الخاصة، مع أول خيوط الفجر، كانت المآذن تُطلق التكبيرات، فيما يتوجه المواطنون لصلاة العيد، وتملأ الشوارع ضحكات الأطفال الذين يركضون في الأزقة فرحاً بقدوم عيد الأضحى المبارك، طقوس لم تبقى منها سوى ذكريات".

بعد الصلاة، كانت الشوارع تمتلئ بمشهد مألوف ومتكرر في كل حي، أضاحٍ مربوطة أمام البيوت، ورجال يتحلقون حولها استعداداً للذبح، وأطفال يقفون على مسافة قريبة بفضول لا يخلو من رهبة. سكاكين تُشحذ، ومياه تُسكب، وتكبيرات تعلو ما قبل الذبح,

لا تنسى الخمسينية أم حسن السقا كيف كان  صباح العيد يعج بالأضاحي، وكيف كانت الأزقة تتحول إلى شبكة من العطاء وأكياس اللحم تنتقل من بيت إلى آخر، والأطفال يتوزعون في مهام صغيرة أما النساء، فكنّ يشعلن المواقد ويُعِددن "المعلاق"، وجبة الفجر التي لا تكتمل إلا بالكبدة المشوية وخبز الصاج الساخن.

تقول أم جسن وهي تسترجع تلك الصباحات: "كنا نشتغل من الفجر، بس ما كنا نحس بالتعب، كل إشي كان فيه بركة. الأولاد حوالينا، والناس داخلة طالعة، والريحة بتعبي الحارة".

اليوم، تبدو تلك الطقوس بعيدة كأنها مشهد من زمن آخر، لا أضاحي أمام البيوت، ولا تجمعات في الشوارع، ولا أطفال يلتفون حول مشهد الذبح. حتى رائحة الخبز والمعلاق التي كانت تملأ الأحياء، غابت

"أكتر ما يوجع  قلب أم حسن أن  طقوس الأضحى لم تعد موجودة، فالأضحية هي الأساس في هذا العيد الذي يكثر فيه الخير وتوزيع اللحوم من المقتدر إلى المحتاج،أما اليوم فلا أحد قادر على البذل أو العطاء، أسعار الأضاحي غير منطقية بالمطلق، وحتى اللحم المجمد ارتفع سعره بشكل كبير بالكاد يمكننا تدبير كيلو أو اثنين ليشعر أولادنا بطعم يشبه طعم العيد!".

كاريكاتـــــير