شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 23 ابريل 2026م19:00 بتوقيت القدس

بالحيوانات الأليفة.. رشيد عنبر يُرمّم ذاكرة صغار غزة

23 ابريل 2026 - 15:20

شبكة نوى، فلسطينيات: قطاع غزة:

بأصابع مرتعشة قليلًا، يمرر رشيد يده على فرو أرنب صغير قبل أن يضعه برفق في حضن طفلٍ فقد ساقه في غارة أخيرة. في تلك الزاوية من مخيم الزوايدة، يراقب رشيد بعينين خبيرتين كيف تتبدل ملامح الرعب إلى دهشة، وكيف تنسلّ ضحكة خافتة من بين الركام النفسي الذي خلفته الحرب.

يهمس للصغير: "إنه يشعر بك، اطمئن"، وبينما يوزع البذور على طيور الكوكتيل الملونة، يدرك الرجل أن هذه الكائنات الصغيرة من حيوانات وطيور هي جسور العودة إلى الحياة في زمن الموت المحدق.

الحرب لم تترك له منزلًا ولا مختبرًا؛ إذ حولت غارة واحدة مملكته الصغيرة إلى حطام، وفقد معها كل حيواناته التي اعتبرها يومًا جزءًا من عائلته.

لم يكن مشهد الحيوانات غريبًا على حياة رشيد عنبر، "الأخصائي العلاجي بالحيوانات"؛ فقبل أن تقلب الحرب موازين الوجود، كان يقود مبادرة "صديق الحيوان" من منزله في غزة، مكرسًا وقته لتدريبها ونشر ثقافة الرفق بها في المدارس.

لكن الحرب لم تترك له منزلًا ولا مختبرًا؛ إذ حولت غارة واحدة مملكته الصغيرة إلى حطام، وفقد معها كل حيواناته التي اعتبرها يومًا جزءًا من عائلته.

هذا الفقد لم يكن ماديًا فحسب، بل كان شرخًا في الروح أطفأ شغفه تمامًا. نزح رشيد إلى وسط القطاع، وبدأ العمل كأمين مخزن في "سمير بروجكت الطبي"، محاولًا التواري خلف الرفوف والصناديق، لكن القائمين على المشروع أبصروا في عينيه خبرة سنواته في مركز القطان وقسم الأحياء بالجامعة الإسلامية، وشجعوه على استعادة هويته التي سلبها الركام.

انبثق مشروع "سمير بروجكت" من رحم الحاجة الملحة كأحد أبرز مبادرات الإغاثة التي أسسها فلسطينيون مغتربون منذ اندلاع الحرب، حيث تحول من فكرة لجمع الموارد إلى شبكة شعبية واسعة أطلقت مخيماتها في أبريل 2024.

اليوم، يضم المشروع ثلاثة مخيمات تؤوي مئات العائلات، بالإضافة إلى "مدرسة الحسن" التي تحتضن 700 طالب، لتقدم الماء والغذاء، ومعهم "الغذاء الروحي" عبر مرسم علاجي وأنشطة دعم نفسي مبتكرة.

يخبرنا رشيد: "من هنا وُلدت فكرة دمج الحيوانات في جلسات التفريغ الانفعالي؛ حيث وفر المشروع ببغاوات، وطيور كوكتيل، وأرانب، وسلاحف، وحتى كلابًا مدربة".

ويشرح هذا الأسلوب العلمي قائلاً: "العلاج بمساعدة الحيوانات هو أسلوب داعم يهدف لتحسين الحالة النفسية والسلوكية عبر تفاعل منظّم، حيث يتحمل الطفل مسؤولية إطعام ورعاية الكائن الصغير، مما يخلق لديه حالة من الهدوء والارتباط الإيجابي".

ووسط هذا السواد، تبرز قصص نجاح صغيرة، كقصة ذاك الطفل الذي كان يرتعد خوفًا من أي كائن حي، ليصبح اليوم هو من ينتظر جلسات رشيد بشغف، معتبرًا أرنبه الصغير كاتم أسراره الوحيد.

بصفته طبيباً بيطرياً أيضاً، يشرف رشيد على الحالة الصحية للحيوانات وتطعيماتها، ويؤهلها سلوكيًا لتكون آمنة تمامًا. وفي حالات "الفوبيا" أو السلوك العدواني الناتج عن الصدمة، يعمل بالتوازي مع طاقم إرشاد نفسي لتدريب الأطفال تدريجيًا على الشعور بالأمان.

تأتي هذه الجهود في ظل واقع مأساوي جراء حرب الإبادة المستمرة، وما كشفته من استهداف ممنهج لمستقبل جيل كامل؛ إذ تشير بيانات الإحصاء الفلسطيني لعام 2026 إلى ارتقاء 72,289 شهيدًا، بينهم 21,283 طفلاً، ما يشكل نحو 30% من إجمالي الضحايا حتى نهاية عام 2025.

ووفق المعطيات، "استشهد 450 رضيعًا، و1029 طفلًا لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلًا دون سن الخامسة"، ما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد.

ووسط هذا السواد، تبرز قصص نجاح صغيرة، كقصة ذاك الطفل الذي كان يرتعد خوفًا من أي كائن حي، ليصبح اليوم هو من ينتظر جلسات رشيد بشغف، معتبرًا أرنبه الصغير كاتم أسراره الوحيد.

يؤكد رشيد أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن المشروع بحاجة لمزيد من الدعم لتوفير مستلزمات العناية بالحيوانات وتوسيع نطاق التجربة، لعلّ هذه الكائنات الرقيقة تنجح في ترميم ما حطمته آلات الحرب في قلوب أطفال غزة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير