شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م00:10 بتوقيت القدس

(80%) من الأشجار اختفت..

فراغٌ يابس.. أراضي غزّة تفقد ذاكرتها "الخضراء"!

09 ابريل 2026 - 18:22

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

من قلب أرضٍ كانت تُثمر، تبدأ الحكاية. هناك، يقف المزارع سمير حجي شاهدًا على تحوّلٍ لم يعد يُشبه ما عرفه يومًا؛ أرضٌ كانت تتوشّح على مدّ البصر بالتين والزيتون والعنب والحمضيات، ثم انكمشت حتى صارت فراغًا يابسًا، كأن الحياة انسحبت منها بصمتٍ ثقيل.

لم يحدث ذلك دفعة واحدة. بدأت الملامح تتبدل مع تصاعد الحرب، حين لم تعد الطيور تجد شجرة تبني عليها أعشاشها، واختفت الحيوانات تدريجيًا حتى وصلت نسبة تلاشيها إلى نحو 90%.

لم يبقَ من الدواجن والأغنام والأبقار إلا ما يُذكر على استحياء، فيما جُرفت الآبار، واقتُلعت الأشجار، ودُمّرت شبكات الري، وغابت البذور والأسمدة والطاقة.

لم يبقَ من الدواجن والأغنام والأبقار إلا ما يُذكر على استحياء، فيما جُرفت الآبار، واقتُلعت الأشجار، ودُمّرت شبكات الري، وغابت البذور والأسمدة والطاقة، فتوقفت الزراعة، وتوقفت معها حياة كاملة كانت تقوم عليها.

في خضمّ هذا التحول، لم يكن سمير مجرد شاهد، بل جزءًا من الحكاية، حين نزح قسرًا تسع مرات، تنقّل خلالها بين غزة ورفح ودير البلح وخان يونس، وهو يحمل ما تبقى من يومه، ويترك خلفه ما لا يمكن حمله.

ومع كل عودة، كان المكان يفقد ملامحه أكثر، حتى وصل إلى لحظةٍ عاد فيها ليجد كل شيء قد اختفى: "لا شجرة خضراء واحدة"، وفق تعبيره، وكأن الأرض أُفرغت من روحها.

في ظل غياب الأشجار، اختفت الحشرات النافعة، وظهرت القوارض والكلاب الضالة، واختلّ التوازن البيئي بصورةٍ لافتة.

لم يعد الأمر متعلقًا بالزراعة فقط، بل بنظامٍ كامل فقد تماسكه، ومع انهيار الإنتاج الزراعي، ارتفعت أسعار الخضروات إلى مستويات غير مسبوقة، ليصبح الغذاء نفسه ترفًا نادرًا، ويُحرم السكان من أبسط ما كانت تمنحه الأرض.

هذه الشهادة، بكل ما تحمله من خسارة شخصية، لا تقف عند حدود صاحبها، بل تمتد لتكشف صورةً أوسع لانهيارٍ يطال المنظومة الطبيعية بأكملها، فالحرب، التي بدأت بتدمير البشر والبنية التحتية، سرعان ما امتدت لتضرب النظام البيئي بكل مكوناته، تاركة وراءها خللًا متسارعًا في التوازن الحيوي.

"هي سلسلة مترابطة، بدأت بنفوق أعداد كبيرة من الحيوانات والطيور نتيجة القصف المباشر والانفجارات، ثم تواصلت مع تدمير الموائل الطبيعية بعد تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار".

في هذا السياق، يوضح الخبير الزراعي والبيئي المهندس نزار الوحيدي أن ما جرى لم يكن مجرد أضرار متفرقة، بل سلسلة مترابطة من الضربات، بدأت بنفوق أعداد كبيرة من الحيوانات والطيور نتيجة القصف المباشر والانفجارات، ثم تواصلت مع تدمير الموائل الطبيعية بعد تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار، ما أفقد الكائنات أماكن عيشها، ودفعها للهجرة أو البقاء حتى الموت.

ومع مرور الوقت، أخذت الأرقام تكشف حجم الكارثة، فبحلول عام 2025م، فُقد نحو 80% من الغطاء الشجري، وتدمرت قرابة 60% من الأراضي الزراعية، أي ما يزيد على 100 ألف دونم، فيما تضرر نحو 86% منها.

أما الأراضي المزروعة بالخضروات، فقد خرجت بنسبة 96% عن الخدمة، لينخفض الإنتاج الزراعي إلى نحو 7% فقط من مستواه السابق. لم يعد ذلك مجرد تراجع اقتصادي، بل انهيارًا في قاعدة السلسلة الغذائية التي تقوم عليها حياة الإنسان والكائنات الأخرى.

هذا الانهيار، كما يوضح الوحيدي، لم يتوقف عند فقدان الموارد، بل دفع العديد من الكائنات إلى الهجرة القسرية، وأدى إلى اختلال واضح في السلاسل الغذائية. في الوقت ذاته، تفاقم التلوث في التربة والمياه نتيجة بقايا الذخائر والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية، بما فيها مواد ذات أثر طويل الأمد، ما ساهم في تراجع خصوبة التربة حتى في المناطق التي لم تُدمّر كليًا.

الأراضي المزروعة بالخضروات خرجت بنسبة 96% عن الخدمة، لينخفض الإنتاج الزراعي إلى نحو 7% فقط من مستواه السابق.

ومع غياب الإدارة الزراعية وتراكم النفايات، ونتيجة اختفاء المفترسات الطبيعية، بدأت الآفات والكائنات الضارة بالانتشار، لتُضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام أي محاولة لاستعادة التوازن.

المزارعون، الذين فقدوا أرضهم أو أدواتهم، يواجهون اليوم تحديات تتعلق بندرة المياه والبذور والأسمدة والطاقة، ما يجعل العودة إلى الإنتاج مهمة شاقة ومؤجلة.

من زاوية أخرى، يشير أستاذ العلوم البيئية الدكتور عبد الفتاح عبد ربه إلى أن التدهور في التنوع الحيوي لم يبدأ مع الحرب، لكنه تفاقم بشكل غير مسبوق خلالها، "فقد أدى تدمير الأشجار والمزارع، خاصة في المناطق الشرقية، إلى هروب وقتل أعداد كبيرة من الكائنات الحية، ومع اختفاء الأشجار، فقدت الطيور أماكن التعشيش والغذاء، فاضطرت إلى الهجرة، فيما تضررت الثدييات والزواحف نتيجة تدمير التربة والموائل التي كانت تعيش فيها".

ولا يقف الخلل عند حدود الفقد، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة بشكل غير متوازن، فالمكبات العشوائية جذبت أنواعًا معينة من الكائنات، في وقت تراجعت فيه أنواع أخرى، خاصة الطيور، ما يعكس اختلالًا واضحًا في بنية النظام البيئي.

هذا الاختلال، بدوره، بدأ ينعكس مباشرة على صحة الإنسان، إذ يحذر المختص في الصحة العامة الدكتور سعيد السعودي من أن البيئة المختلة باتت أرضًا خصبة لانتشار الأمراض، في ظل تراكم النفايات، وتلوث المياه، وزيادة أعداد القوارض، إضافة إلى الاكتظاظ في أماكن النزوح.

هذه العوامل مجتمعة أسهمت في انتشار أمراض معوية وتنفسية وجلدية، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من انهيار حاد، يعجز معه عن احتواء الأوبئة أو الحد من انتشارها.

لم تعد الأزمة بيئية فقط، بل باتت مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الصحية والاقتصادية والاجتماعية، لتُثقل كاهل حياة السكان على نحو غير مسبوق.

بهذا المعنى، لم تعد الأزمة بيئية فقط، بل باتت مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الصحية والاقتصادية والاجتماعية، لتُثقل كاهل حياة السكان على نحو غير مسبوق.

في المحصلة، تكشف هذه الشهادات، الفردية والرسمية، أن ما يجري في غزة يتجاوز حدود الدمار المادي، ليصل إلى مستوى الانهيار البيئي الشامل، ففقدان الأشجار، وتراجع الزراعة، ونفوق الكائنات، وتلوث التربة والمياه، ليست وقائع منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تهدد استدامة الحياة نفسها.

ورغم أن استعادة التوازن تبدو ممكنةً نظريًا، إلا أنها تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل، وإلى جهود مضنية لإعادة تأهيل الأرض وإحياء مواردها عبر إعادة زراعة الأشجار، واستصلاح التربة، واستعادة الغطاء النباتي.

كاريكاتـــــير