شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م00:03 بتوقيت القدس

أحمد الحلو..

طفلٌ عادَ من الأسر.. ولم يَعُد!

14 ابريل 2026 - 12:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن الشهر الذي قضاه أحمد الحلو في سجون الاحتلال زمنًا عابرًا يمكن طيّه، بل كان كافيًا لاقتلاع شيءٍ عميق من داخله، شيءٍ لا يُرى، لكنه يغيّر كل ما بعده.

حين عاد، لم يعد الفتى ذاته! صار أكثر صمتًا، أكثر شرودًا، كأن الكلمات لا تكفي ليحدث أحدًا بما رآه. تجلس والدته إلى جواره، تمرّر يدها على رأسه بصمت، تراقب ما تبقّى منه، وتحاول أن تفهم كيف يمكن احتواء المشهد.

بصوتٍ متقطّع، يبدأ أحمد روايته، كمن يسحب ذاكرةً ثقيلة من مكانٍ لا يريد العودة إليه. يحكي أنه أنه رأى ما يفوق عمره، وما يتجاوز قدرة أي طفل على الفهم أو الاحتمال.

لم يكن بوسعهم أن يفعلوا شيئًا، كانوا مقيّدين، خائفين، محاصرين بعجزٍ كامل، هكذا وصف حاله وحال الأسرى الذين كانوا معه.. أطفالًا!

في يونيو 2025م، اعتُقل أحمد قرب رفح، مع خمسة عشر طفلًا آخرين، ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن الاعتقال مجرّد احتجاز، بل بداية لسلسلة من الانتهاكات التي لا يمكن فصلها عن آثارها الطويلة.

تحدث الفتى عن تجريدهم من ملابسهم، وتقييدهم بأربطة بلاستيكية، ثم نقلهم إلى أرضٍ مكشوفة، حيث فُرض عليهم مشهدٌ قاسٍ، لم يكن مسموحًا لهم أن يشيحوا عنه بوجوههم: "من حاول إغلاق عينيه، تعرّض للضرب والتعذيب" يقول.

يتوقف قليلًا، كأن التفاصيل تخنقه، ثم يواصل: "بعد ساعات، نُقلنا إلى مكانٍ آخر، حيث بدأت فصول جديدة من الإهانة.. بقينا عُراة، محاطين بالخوف، فيما كانت تُرتكب بحقنا انتهاكات جسدية وجنسية، داخل مساحةٍ مغلقة لا يُسمع فيها سوى الصراخ المكتوم".

ويضيف: "كنا عاجزين عن المقاومة، مقيّدين بالكامل، لا نملك حتى حق الحركة، فيما كانت الألفاظ المهينة تلاحقنا، بينما يُفرض علينا الصمت".

يصف ما عاشه بأنه يتجاوز حدود الخيال، وأن الشعور بالعجز كان كاملًا، كأن الجسد منفصل عن القدرة على الدفاع عن النفس.

حين خرج، لم يخرج وحده، خرجت معه تلك التجربة بكل ثقلها، لم تعد الكلمات تسعفه، ولا الصمت يحميه.

"ما زلت أحاول أن أفهم كيف يمكن لطفلٍ أن ينجو من شيءٍ كهذا، وكيف يمكن لأمٍ أن تعيد ترميم ما تكسّر داخله".

وفق والدته فإن ما رواه لها يفوق التصوّر: "ما زلت أحاول أن أفهم كيف يمكن لطفلٍ أن ينجو من شيءٍ كهذا، وكيف يمكن لأمٍ أن تعيد ترميم ما تكسّر داخله".

تصفه بأنه لم يعد كما كان، وأن ما تعرّض له ترك أثرًا واضحًا على نفسيته، حتى على قدرته على الكلام والتواصل.

لم يعد يتحدث بسهولة، ولا ينخرط في الحياة كما كان، كأن جزءًا منه ما زال هناك، عالقًا في تلك اللحظات.

تضيف: "أقف عاجزة، لا أعرف كيف أساعده، ولا كيف أقترب من ذاكرته دون أن أؤذيه أكثر".

وتزيد: "العائلة بأكملها لم تعد قادرة على التعامل مع ما حدث دون دعمٍ متخصص، فالأمر لم يعد مجرد ذكرى، بل حالة مستمرة من الاضطراب".

في أسئلتها التي ما فتئت ترددها طوال الوقت، لم تكن تبحث عن إجابة بقدر ما كانت تعبّر عن حجم الانكسار: "كيف يمكن أن يحدث هذا؟ وأين يقف العالم من كل ما يتعرض له الأطفال داخل السجون؟ كيف يمكن لكل هذه الانتهاكات أن تمرّ دون مساءلة، في ظل غيابٍ كامل لأي حماية حقيقية؟".

ترفع صوتها بنداءٍ واضح، ليس فقط من أجل ابنها، بل من أجل كل طفلٍ مرّ بهذه التجربة، وتطالب بوقف هذه الانتهاكات، وبضمان ألا يُترك الأطفال لمصيرٍ كهذا مرة أخرى، كأنها تحاول أن تمنع تكرار الحكاية، بعدما عجزت عن محوها من ذاكرة أحمد.

في زاويةٍ باهتة التفاصيل، يجلس أحمد بصمته الطويل، كأن الزمن توقف عند تلك الأيام، لا يحكي كثيرًا، لكنه يحمل ما يكفي ليقول "إن ما حدث لم ينتهِ بخروجي من الأسر، بل بدأ هناك، وما زال مستمرًا داخلي".

كاريكاتـــــير