شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م09:20 بتوقيت القدس

أكثر من مليون بغزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي..

أطفالٌ يعيشون حربًا "بلا هُدنة".. ندوبُ "الخوف" غائرة

25 مارس 2026 - 16:07

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ صغيرة، لا تكاد تحمي جسدًا ولا ذاكرة، يجلس علي عفانة محدّقًا في السماء، كما لو أنّه يراقب سقوطًا. لم تعد السماء في نظره فضاءً مفتوحًا، بل سقفًا مهدّدًا بالانهيار في أية لحظة.

عامان من الحرب كانا كافيين لانتزاع الطفولة من داخله، وتحويل الليل إلى مساحة انتظار ثقيلة، لا للنوم، بل لنجاةٍ مؤجّلة.

يخبرنا علي أنّه يفكّر في كل ليلة وكأنها قد تكون الأخيرة. يحاول أن ينام، لكن النوم نفسه صار مخاطرة، وكأنّ البقاء يقظًا هو الشكل الوحيد للمقاومة.

أصوات الطائرات لا تغادر رأس علي، والرصاص يواصل حضوره حتى في لحظات الهدنة التي لا تشبه السلام.

أصوات الطائرات لا تغادر رأسه، والرصاص يواصل حضوره حتى في لحظات الهدنة التي لا تشبه السلام. يهمس بالقول: "نسيت معنى أن ينام الإنسان بلا خوف، تحت سقف يحميه، ولا يسقط عليه".

لم تعد حكاية علي استثناءً، بل صارت مرآةً لجيلٍ كامل نشأ على حافة الرعب منذ اندلاع حرب الإبادة. تحوّل الخوف إلى حالة عامة، لا تفارق تفاصيل الحياة اليومية، خصوصًا لدى الأطفال الذين لم يعرفوا من العالم سوى صوته المرتجف.

تكشف الأرقام ما تعجز اللغة أحيانًا عن حمله، فأكثر من مليون طفل داخل قطاع غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، فيما يشعر 96% منهم بأن الموت وشيك.

هذه ليست مجرد نسب، بل توصيف مكثّف لحياة تُعاش تحت ظل النهاية، حيث يتحوّل الخوف إلى رفيق يومي، والنجاة إلى احتمال هش.

وفي زاوية أخرى من هذه الحكاية الثقيلة، تروي فتاة في السابعة عشرة قصتها مع زواجٍ لم يكن خيارًا، بل مخرجًا قاسيًا من ضيقٍ أشد قسوة.

بعد النزوح وتدهور الأحوال الاقتصادية، رأت عائلتها في زواجها حماية ووسيلة تخفيف عبء، بينما رأت هي نهاية مبكرة لما تبقى من عمرها.

تقول: "لم يكن أمامي سوى القبول". لكن الواقع، كما تروي، جاء أكثر قسوة؛ مسؤوليات تفوق سنّها، وخوف يتضاعف مع حملها الأول.

تضيف بصوتٍ منكسر: "كنت بحاجة لأن أعيش سني، أن أتعلم، أن أختار، لكن الحرب دمّرتنا. أشعر أنني ميتة، وأتمنى لو يحدث ذلك فعلاً".

ما بين علي وهذه الفتاة، تتسع رقعة الانكسار. تصف سيما العلمي، مسؤولة برنامج المراهقين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان، ما يحدث بأنّه "حالة طوارئ صحية نفسية واسعة النطاق".

الأرقام التي توردها ليست أقل قسوة: "61% من الأطفال والمراهقين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، 38% من الاكتئاب، و41% من القلق، فيما يفكّر واحد من كل خمسة بالغين في الانتحار بشكل شبه يومي".

ويؤكد الأخصائي النفسي معين حسين أنّ ما يعيشه الفلسطينيون اليوم يتجاوز حدود الصدمة المؤقتة، قائلًا: "إنّها صدمة جماعية مستمرة، تتشابك فيها الخسارة مع الخوف، ويتحوّل انعدام الأمان إلى قاعدة".

"الأطفال يعانون من اضطرابات النوم والعزلة، فيما يغرق المراهقون في شعور عميق باللاجدوى، ترافقه أفكار متكررة عن الموت".

الأطفال يعانون من اضطرابات النوم والعزلة، فيما يغرق المراهقون في شعور عميق باللاجدوى، ترافقه أفكار متكررة عن الموت. يردف: "تجاهل هذه الحالة، لن يعني سوى ترحيلها إلى المستقبل، حيث ستترك آثارها الثقيلة على جيلٍ كامل".

الفتيات، في هذا المشهد، يقفن في الهشاشة الأشد، حيث تشير التقديرات إلى تصاعد زواج القاصرات وارتفاع معدلات الحمل المبكر، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.

(63%) من الفتيات اللواتي تزوّجن مبكرًا تعرّضن لأشكال مختلفة من العنف، فيما تم توثيق أكثر من مئة حالة انتحار أو محاولة انتحار بين ناجيات من العنف.

وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل وطأة، وإن اختلفت ملامحه، فهناك، يعيش الأطفال والشبان تحت ضغط مستمر، بين خوف المداهمات وقيود الحركة، وسط غموض يحيط بكل شيء: العمل، التعليم، وحتى الوصول إلى الخدمات الأساسية.

تتعطل الحياة اليومية عند الحواجز، وتغلق المدارس أبوابها، فيما يتحول القلق إلى حالة مزمنة، وانعدام الأمان إلى شعور دائم، وتشير المعطيات إلى أنّ تصاعد العنف والعمليات العسكرية، إلى جانب هجمات المستوطنين، دفع إلى موجات نزوح جديدة، خصوصًا في مخيمات اللاجئين. ومع إغلاق الطرق ونقاط التفتيش، تتآكل تفاصيل الحياة البسيطة، ويُعاد تشكيلها على إيقاع الخوف.

"الأطفال والشبان في الضفة يعيشون تحت ضغط لا ينقطع، يواجهون الخوف يوميًا، ويكافحون وسط غياب اليقين".

تعود سيما العلمي لتلخّص هذا الواقع بوضوح قاسٍ: "الأطفال والشبان في الضفة يعيشون تحت ضغط لا ينقطع، يواجهون الخوف يوميًا، ويكافحون وسط غياب اليقين".

وتحذّر من أنّ هذه الضغوط لن تتوقف عند الحاضر، بل ستمتد إلى المستقبل، مؤثرة في السلوك والصحة النفسية حتى مرحلة البلوغ.

عامان من الحرب لم يتركا خلفهما فقط دمارًا ماديًا، بل خلّفا أثرًا أعمق، يتسلل إلى الداخل بصمت، ويعيد تشكيل الإنسان من حيث لا يُرى. في غزة، لا تنتهي الحرب عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ داخل النفوس، حيث تستمرّ، بلا هدنة.

كاريكاتـــــير