شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م09:18 بتوقيت القدس

عذبه الجنود بالسجائر والمسامير واعتقلوا والده..

"رضيع المغازي".. نزهةٌ إلى "كابوس" مُمتد!

24 مارس 2026 - 12:53

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن خروج أسامة نصّار في ذلك اليوم يحمل أي استثناء: أبٌ يحاول أن ينتزع من يومه لحظةً عادية، يمشي برفقة طفله ليشتري له بعض المُسلّيات، كأنّه يدرّب الحياة على الاستمرار رغم كل ما انكسر فيها.

لكن الطريق القريب من الحدود شرقي مخيم المغازي وسط قطاع غزة أبى أن يصل بهما إلى بر الأمان. هناك فقد أسامة شعور الأب وعاش أقسى لحظات عمره تحت أعقاب البنادق، ووسط صرخات صغيره الخائف.

قبل أيام قليلة فقط، فقد أسامة حصانه، مصدر رزقه الوحيد، في خسارةٍ لم تكن مادّية بقدر ما كانت اقتلاعًا لجزءٍ من استقراره الهش. حاول أن يتماسك رغم إصابته بالعديد من المشكلات النفسية. أن يعيد ترتيب ما تبقى من داخله، وأن يعود إلى حضن العائلة كمحاولةٍ صغيرةٍ للنجاة.

لم يعد أسامة أبًا يمسك بيد طفله، بل جسدًا يُؤمر! جاءه الصوت واضحًا: اترك الطفل وتقدّم، اخلع ملابسك وامشِ نحو الحاجز.

خرج مع طفله جواد، ابن العام والنصف، ومشى في طريق الفرح دون أن يعلم ما ينتظره. هناك انشقّ الصمت عن طلقاتٍ نارية كثيفة، وانخفضت طائرة مُسيّرة فوقهما، تراقب كل حركة، وتحوّل المشهد في لحظةٍ واحدة.

لم يعد أسامة أبًا يمسك بيد طفله، بل جسدًا يُؤمر! جاءه الصوت واضحًا: اترك الطفل وتقدّم، اخلع ملابسك وامشِ نحو الحاجز، بين الأمر وتنفيذه، حدث ما لا يمكن اختصاره بكلمات: ترك الرجل ابنه خلفه، ليس لأنه أراد ذلك، بل لأن اللحظة لم تترك له خيارًا.

تحوّل جواد من طفلٍ يبكي إلى جسدٍ صغير يُعذَّب! سيجارة تُطفأ في ساقه، وخزٌ متكرر، ومسمارٌ حديدي يُغرس في جسده، كما أثبت التقرير الطبي لاحقًا.

بقي جواد وحده على الأرض، يبكي، يمدّ يديه نحو أبٍ يبتعد عنه قسرًا. لم يكن يعرف أن هذه اللحظة ستُصبح ذاكرته الأولى مع الخوف.

يقول شهود عيان: "الجنود اقتربوا من الطفل، حملوه، ومضوا به بعيدًا. أخذوه كوسيلة ضغط، كأن جسده الصغير صار جزءًا من مشهدٍ أكبر منه".

على الحاجز، لم يكن التحقيق مع أسامة بحثًا عن إجابة، بل اختبارًا لحدود احتماله. كان ابنه هو السؤال، وهو الأداة، وأمام عينيه، تحوّل جواد من طفلٍ يبكي إلى جسدٍ صغير يُعذَّب! سيجارة تُطفأ في ساقه، وخزٌ متكرر، ومسمارٌ حديدي يُغرس في جسده، كما أثبت التقرير الطبي لاحقًا.

لم يكن الألم وحده سيد الموقف، بل الطريقة التي يُفرض بها على أبٍ أن يشاهد، عاجزًا، محاصرًا بصمته، كأن صوته نفسه صار تهمة.

أُفرج عن جواد، سُلّم إلى والدته عبر الصليب الأحمر في سوق المغازي، جسدًا صغيرًا مثقلاً بالخوف، بينما بقي الأب خلف الحاجز، أسيرًا.

عشر ساعات مرّت، لم تكن زمنًا عاديًا، كانت مساحةً معلّقة بين الحياة والانهيار، ثم أُفرج عن جواد، سُلّم إلى والدته عبر الصليب الأحمر في سوق المغازي، جسدًا صغيرًا مثقلاً بالخوف، بينما بقي الأب خلف الحاجز، أسيرًا، في حكاية لم تكتمل فصولها.

عاد الطفل، لكن شيئًا منه ظلّ هناك، في تلك اللحظة التي تُرك فيها أول مرة، وفي تلك الساعات التي تعلّم فيها جسده معنى الألم قبل أن يعرف معنى الكلمات.

لم يعد جواد كما كان، كما لم يعد أسامة الأب ذاته الذي خرج ليشتري لطفله شيئًا بسيطًا. صار يحمل في داخله لحظةً واحدة لا تُمحى؛ لحظة أن رأى ابنه يُعذّب ليُجبر هو على الصمت.

اليوم، لا تملك العائلة سوى الانتظار.. تناشد المؤسسات الدولية التدخل للإفراج عن أسامة، ليعود، إن أمكن، إلى ما تبقى من حياته، وربما ليحاول أن يكون أبًا من جديد.

وبين طفلٍ عاد مثقلاً بما لا يُحتمل، وأبٍ ما زال غائبًا خلف الحاجز، تقف أمٌ لا تملك سوى القلق، مثل آلاف الأمهات في غزة، اللواتي ينتظرن أسماءً لا يعرفن إن كانت ستعود، أم ستبقى معلّقةً في فراغٍ لا يجيب.

كاريكاتـــــير