شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:10 بتوقيت القدس

عشرات الآلاف يخشون عودة المجاعة

رمضان بلا تكايا بعد إسدال "المطبخ العالمي" الستار

10 مارس 2026 - 16:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تقف الطفلة هدى أبو زيد ابنة الأحد عشر ربيعاً خلف قطعة قماشٍ مهترئة في مخيمٍ ببلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، تراقب الأطفال وهم يلهون بين الخيام. فمع اقتراب موعد الإفطار في شهر رمضان، لا تفكر هدى باللعب بقدر ما تفكر بالوجبة التي تنتظرها كل مساء.

تقول هدى: "نعتمد على التكية لتوفير وجبة الإفطار، مع أن الوجبات المُقدّمة غالبًا تكون من الأرز وأحيانًا الفاصولياء. نتمنى حقاً لو أنهم ينوّعون في الطعام".

كان المطبخ العالمي يدير ستة مطابخ ميدانية كبيرة في أرجاء غزة، إلى جانب عشرات المطابخ  والمطاعم الشريكة والمخابز، وهذه الشبكة الواسعة مجتمعةً تقدم مليون وجبة ساخنة يومياً".

ومع اقتراب موعد الإفطار، يصطّف كثيرون كل يوم ٍفي طوابير، في انتظار وجبةٍ ساخنة تُقيتهم بعد يوم صيامٍ طويل، لا سيما أن معظم العائلات أصبحت بلا مصدر دخل، علاوةً على أن أسعار المواد الغذائية في ارتفاعٍ مستمر. غير أن هذا الانتظار الذي يلطم "عِزّة أنفسهم" أصبحوا يفتقدونه، بعد إعلان المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen) تعليق جميع عملياته في القطاع بدءاً من السابع والعشرين من فبراير/ شباط الماضي حتى إشعارٍ آخر، بسبب القيود المفروضة على دخول المساعدات، ونقص المواد التموينية والوقود اللازم للطهي.

وفي بيان سابق للمطبخ العالمي يذكر أنه "يدير ستة مطابخ ميدانية كبيرة في أرجاء غزة، إلى جانب عشرات المطابخ المجتمعية التي يديرها فلسطينيون ومطاعم شريكة ومخابز، وهذه الشبكة الواسعة مجتمعةً تقدم مليون وجبة ساخنة يومياً".

وقد أضحت التكايا والمطابخ التي يديرها المطبخ العالمي في الفترة الماضية، أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لعشرات الآلاف من السكان، خصوصًا للعائلات التي فقدت مصدر رزقها جراء الحرب والنزوح.

لكن تراجع دخول شاحنات المساعدات إلى القطاع أدى إلى نفاد المخزون من المواد الغذائية الأساسية ووقود الطهي، ما اضطر المطبخ العالمي لتعليق عملياته.

وحسب ما أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن "المطبخ المركزي العالمي يواجه معيقات ميدانية كبيرة، أبرزها تقليص عدد الشاحنات المخصصة لإدخال المواد التموينية بما يتفاوت من 25 شاحنة يوميًا إلى خمسٍ فقط، وبالتالي ضعفت القدرة التشغيلية للمطبخ إلى حدٍ كبير.

كما أشار المكتب الإعلامي إلى أن ضغوطاً تُمارس لشراء المواد الخام من داخل "إسرائيل"، بدلًا من وصولها عبر شاحنات قادمة من مصر، وهو ما يغيّر طبيعة الإمداد الإنساني ويرفع تكلفة العمل الإغاثي ويُعرقل استمراريته.

"حياتنا كلها صارت تعتمد على التكية، أنا وزوجي نفطر كل يوم منها، وما في مصدر دخل. بنستناها كل يوم بالذات في رمضان".

في شرق البريج، تقول نفين الرعد، وهي أمٌ لسبعة أطفال، إن عائلتها تعتمد اعتماداً شبه كامل على وجبات التكايا. مضيفة في حديثها لـ"شبكة نوى": "ممكن ما نموت من الحرب.. لكن لو ما في تكيات ممكن نموت من الجوع".

ومع أن الطعام وفق رأيها لا يُطهى أحياناً بالجودة المتوقعة، لكنهم مضطرون لتناوله لأنه لا بديل. "نحن الكبار يمكن أن نتحمل، أما الأطفال لا يستطيعون" تواصل كلامها. وتأمل نفين التنويع في الوجبات، لافتةً إلى أن الأرز يتكرر كثيرًا، بينما يحتاج الأطفال إلى غذاء متوازن.

في حين، ترى رنا الراعي (22 عامًا) من حي الزيتون، أن وجبة التكية أصبحت جزءًا من روتينها اليومي، موضحةً: "حياتنا كلها صارت تعتمد على التكية، أنا وزوجي نفطر كل يوم منها، وما في مصدر دخل. بنستناها كل يوم بالذات في رمضان".

"إذا في تكية بناكل، وإذا ما في بنجوع. ما في دَخل والأسعار غالية جدًا خاصةً في رمضان. هي الوجبة اللي بنسدّ فيها جوعنا بعد صيام يوم طويل".

 وتردف حديثها: "توقف المطبخ العالمي يعني "عودة المجاعة"، محذرةً من أن توقف هذه المطابخ قد يدفع بعض الناس إلى السرقة بحثًا عن الطعام، كما حدث في بداية الحرب، تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة والنزوح المستمر.

"ماذا يعني لكِ غياب التكية؟" أسأل كفا صبحي، وهي أمٌ لأسرة مكونة من ثمانية أفراد، لتخبرني: "إذا في تكية بناكل، وإذا ما في بنجوع. ما في دَخل والأسعار غالية جدًا خاصةً في رمضان. هي الوجبة اللي بنسدّ فيها جوعنا بعد صيام يوم طويل".

ووردَ في تقارير "التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي" أن مئات الآلاف من سكان قطاع غزة يعيشون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف ظروفًا تُوصف بأنها كارثية.

ومع توقف المطابخ الإغاثية، تتزايد المخاوف من اتساع "فجوة الجوع"، حيث تستمر القيود على إدخال المساعدات، وتتراجع قدرة العائلات على تأمين احتياجاتها الأساسية.

أطفالٌ مثل هدى، لا يدركون الواقع المعقد كما في التقارير والأرقام. كل ما تنتظره الصغيرة وجبةً تصل قبل أذان المغرب، وما تتمناه فقط أن تتغير الوجبة أحيانًا، فهي لا تتوقع أنها ستتوقف. هنا، لا يحلم الأطفال بموائد عامرة، بل بطبقٍ مختلف قليلاً عن الأرز والفاصولياء. وبينما يترقب الجميع الحصول على وجبة الإفطار كل يوم، لا ينقطع أملهم في عودة المطبخ العالمي لقطاع غزة، ومواصلة نشاطه طالما بقيت هذه الظروف القاهرة.

كاريكاتـــــير