غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في شهر رمضان، تتجه الأنظار عادة نحو موائد الإفطار التي تجمع العائلات في أجواءٍ من الطمأنينة والسكينة، غير أن هذا المشهد يبدو مختلفًا تمامًا لدى العائلات التي تقيم قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" شرقي قطاع غزة.
هناك، لا يسبق أذان المغرب دعاء الصائمين فحسب، بل يسبقه صوت الرصاص، ولا يرافق السحور نداء المسحراتي دائمًا، بل هدير الآليات العسكرية وإطلاق النار المتواصل.
في تلك المخيمات التي أُقيمت على عجل فوق أراضٍ مفتوحة بعد أن دُمّرت البيوت، تعيش العائلات النازحة رمضانًا ثقيلاً، يتقاسم فيه الصائمون الخبز القادم من التكايا الخيرية، والخوف الذي لا يغادر قلوبهم، خصوصًا مع استمرار إطلاق النار بالقرب من خيامهم.
"نعيش حالة خوفٍ دائم، وكأن الموت يحيط بنا في كل لحظة، خصوصًا في أوقات الإفطار والسحور (..) في معظم أيام رمضان لا نسمع سوى صوت الرصاص".
ياسر الجدبة (35 عامًا)، أحد سكان منطقة الزرقاء شرقي مدينة غزة، يعيش مع أسرته المكوّنة من سبعة أفراد داخل خيمة منذ أن دمّر الاحتلال منزله وحوّله إلى أكوام من الحجارة.
يصف حاله وحال عائلته بكلماتٍ تختصر الكثير من القلق الذي يرافق أيامهم ولياليهم: "نعيش حالة خوفٍ دائم، وكأن الموت يحيط بنا في كل لحظة، خصوصًا في أوقات الإفطار والسحور"، متابعًا: "أحيانًا نستيقظ على صوت المسحراتي إذا مرّ في وقتٍ لم يكن فيه إطلاق نار، لكن في معظم أيام رمضان لا نسمع سوى صوت الرصاص".
غير أن المشهد كثيرًا ما يتبدل، كما يروي، إذ قد يتحول وقت السحور أو الإفطار إلى لحظة قلقٍ حقيقي عندما يتجدد إطلاق النار.

يضيف: "في كثير من الأوقات يحدث إطلاق نار أثناء السحور أو الإفطار، فنخاف من الرصاص الطائش الذي قد يصل إلى خيامنا".
يزداد خوف ياسر لأن خمسة من أبنائه ما يزالون أطفالًا صغارًا، الأمر الذي يجعله يشعر بعجزٍ مضاعف أمام الخطر المحيط بهم.
يقول: "نحاول تأمين الأطفال قدر الإمكان عندما نسمع إطلاق النار، لا توجد هنا جدران ولا خرسانة تحمينا، فقط خيام. نخاف كثيرًا من الرصاص".
"نحاول تأمين الأطفال قدر الإمكان عندما نسمع إطلاق النار، لا توجد هنا جدران ولا خرسانة تحمينا، فقط خيام. نخاف كثيرًا من الرصاص".
ويزيد: "الإفطار والسحور غالبًا ما يجريان على وقع أصوات الآليات العسكرية وإطلاق النار، في ظل حياةٍ تزداد صعوبة يومًا بعد يوم"، مشيرًا إلى أنه متعطل عن العمل منذ بداية الحرب، ويعتمد في طعامه وطعام عائلته خلال رمضان على التكايا الخيرية. "اعتدنا الخوف والقلق، وحتى أطفالنا اعتادوا أصوات الدبابات وإطلاق النار" يعقب.
غير بعيدٍ عنه، يعيش محمود مقاط (40 عامًا)، وهو من سكان حي التفاح شرقي مدينة غزة، قصة نزوحٍ مشابهة، فقد دُمّر منزله بالكامل خلال الحرب، ما اضطره إلى الإقامة مع أسرته داخل خيمة في مخيم للنازحين لا يبعد سوى نحو 400 متر عن الخط الأصفر.
هذا القرب الشديد من المنطقة الحدودية يجعل حياته اليومية محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في شهر رمضان.

يخبرنا: "الخوف يسيطر على أفراد أسرتي الستة، خاصة بعدما تعرّضت خيمتنا في وقتٍ سابق لطلقات رصاص طائشة أدت إلى احتراقها".
يقول لـ"نوى": "الخوف لا يفارقنا أبدًا، خصوصًا بعد أن أصابت رصاصات طائشة خيمتنا وتسببت في احتراقها. رمضان هذا العام مختلف تمامًا؛ أصعب من رمضانَي الإبادة، ولا يشبه أبدًا رمضان الذي سبق هذه المطحنة التي نعيشها اليوم".
ويمضي في حديثه قائلاً: "الطعام نفسه فقد معناه في ظل هذه الظروف. لا نشعر بطعم الطعام في رمضان، ننام ونستيقظ على أصوات إطلاق النار المتواصل الذي لا يتوقف".
ويشير إلى أن إطلاق النار يشتد أحيانًا في أوقات الإفطار والسحور، ما يجعل العائلات تشعر بأن الخطر يلاحقها حتى في أكثر اللحظات قدسية خلال الشهر الفضيل.
"في بعض الأحيان نضطر إلى الاستلقاء على الأرض عندما نسمع أصوات الرصاص. هذه ليست حياة، نحن لا نشعر بالأمن أو الأمان مطلقًا، وكأن الحرب لم تتوقف بالنسبة لنا".
ويضيف: "في بعض الأحيان نضطر إلى الاستلقاء على الأرض عندما نسمع أصوات الرصاص، لأننا نشعر أنه موجه نحونا. هذه ليست حياة، نحن لا نشعر بالأمن أو الأمان مطلقًا، وكأن الحرب لم تتوقف بالنسبة لنا".
أما سهير عيسى (34 عامًا)، فكانت تعيش مع أسرتها في منطقة الزرقاء شرقي غزة قبل أن تضطر للنزوح إلى أحد مخيمات الإيواء القريبة من الخط الأصفر.
تعيش اليوم مع أفراد أسرتها الخمسة داخل خيمة صغيرة، وتصف رمضان هذا العام بأنه مختلف تمامًا عن كل ما عرفته من قبل.
وتقول لـ"نوى": "الحياة هنا صعبة للغاية، فأصوات إطلاق النار لا تهدأ، خصوصًا في أوقات الإفطار والسحور. نجلس حول مائدة الإفطار التي نحصل عليها من التكية الخيرية، لكننا لا نشعر بأي راحة".
"قد تكون وتيرة الحرب هدأت في بعض مناطق القطاع، لكننا هنا ما زلنا نعيش تفاصيلها. أصوات إطلاق النار لا تتوقف، وأحيانًا نسمع القصف أيضًا، الخوف أصبح جزءًا من حياتنا اليومية".
وتضيف: "بينما نأكل، نتخيل دائمًا أن رصاصة طائشة قد تصل إلينا في أي لحظة وتفسد علينا وجبة الإفطار".
وترى سهير أن استمرار إطلاق النار وتحركات الآليات العسكرية في المنطقة، حتى خلال شهر رمضان، جعل أصواتها جزءًا مألوفًا من يومياتهم، رغم ما تحمله من خوفٍ دائم.
وتتابع: "قد تكون وتيرة الحرب هدأت في بعض مناطق القطاع، لكننا هنا ما زلنا نعيش تفاصيلها. أصوات إطلاق النار لا تتوقف، وأحيانًا نسمع القصف أيضًا، الخوف أصبح جزءًا من حياتنا اليومية".
وتوضح أن أطفالها يشعرون بالرعب كلما دوّى صوت الرصاص، وتحاول تهدئتهم قدر الإمكان، "لكن الأمر ليس سهلًا" تستدرك، مردفةً: "نعيش في خيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، ولا تحمينا من الرصاص أيضًا".
وبينما ينتظر كثيرون حلول الليل في رمضان بحثًا عن السكينة والراحة، تعيش عشرات العائلات القريبة من "الخط الأصفر" على وقع ترقبٍ دائم.
هناك، لا يُقاس الوقت بين أذانٍ وآخر فقط، بل بين طلقةٍ وأخرى، في خوفٍ مستمر من أن يتحول صوت الرصاص في أي لحظة إلى مأساة جديدة.
























