شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:10 بتوقيت القدس

هدمها الاحتلال 234 مرة وأهلها يأبون "الرحيل"..

"العراقيب" تحرس "الهوية" في صحراء النقب

02 مارس 2026 - 10:37

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في قلب صحراء النقب، حيث تتسع الأرض ويضيق الشعور بالأمان، تتكرر الحكاية ذاتها في قرية العراقيب شمالي مدينة بئر السبع، جنوب فلسطين، كل بضعة أيام.

مع بزوغ الفجر، تقتحم جرافات الاحتلال المكان، تُسوي خيامًا وبيوتًا من صفيحٍ بالأرض، فيستيقظ الأطفال على أصوات الآليات وسُحُب الغبار، كأن الصباح فقد معناه الأول، وحين تنقشع الغمة، لا تنتهي القصة، بل تبدأ من جديد.

تقع العراقيب في الجزء الشمالي من صحراء النقب جنوبي فلسطين المحتلة، ويقدّر عدد سكانها بنحو 1200 نسمة يعيشون على مساحة تقارب 1250 دونمًا.

يرفع الأهالي أعمدة الخيام، يجمعون ما تبقى من ألواح الزينكو، ويعيدون نصب بيوت يعرفون مسبقًا أنها قد تُهدم مرة أخرى. هكذا تعيش "العراقيب" منذ سنوات طويلة، في معادلة قاسية عنوانها الصمود: هدمٌ يتبعه بناء، وغياب يعقبه إصرار على البقاء.

كما يروي سكان القرية، يبدأ المشهد بتقدّم الآليات العسكرية تحت حماية شرطة الاحتلال المدججة بالسلاح، لتنفيذ أوامر هدم تدّعي سلطات الاحتلال أنها تستند إلى عدم الترخيص والبناء على أراضٍ تُصنّف "أراضي دولة".

وتقع العراقيب في الجزء الشمالي من صحراء النقب جنوبي فلسطين المحتلة، ويقدّر عدد سكانها بنحو 1200 نسمة يعيشون على مساحة تقارب 1250 دونمًا، وفق تقارير فلسطينية.

محمد أبو مديغم واحد من أبناء القرية الذين لم يعرفوا وطنًا سواها. وُلد هناك، وترعرع بين بيوتها البدائية، ودرس في مدارسها، وتزوّج، وأنجب أبناءه، ثم زوّجهم على أرضها.

تفاصيل حياته، كما يقول، تبدأ من العراقيب وتنتهي عندها. يستعيد محمد ما كانت عليه الحياة قبل عام 2010م، حين كان الصباح يبدأ برائحة الأرض، ويتوزع الناس بين رعي الأغنام وقطف الخضروات وتهيئة الحقول.

"كانت الحياة جميلة"، يرددها وكأنه يحاول الإمساك بزمنٍ يتفلّت من الذاكرة.

في السابع والعشرين من تموز/يوليو 2010م، وقع الهدم الأول. منذ ذلك اليوم، لم يعد الصباح يشبه نفسه. تحوّل إلى سباقٍ مع المجهول؛ يستيقظ محمد وأسرته مبكرًا، لا لبدء يوم عمل، بل لإخفاء ما يمكن إنقاذه من مقتنيات بسيطة، خشية أن تتحول إلى ركام في لحظة.

تُنقل الأشياء الثمينة، وحتى الجديدة منها، بعيدًا تحسبًا لهجوم مفاجئ. "نرتّب أغراضنا كأننا نستعد لعاصفة"، يقول، وهو يدرك أن العاصفة قد تهب في أي وقت.

يمضي يومه بعد ذلك كما يستطيع، فيما يلازمه القلق كظل لا يفارقه.

عام 2014م شكّل محطة أكثر قسوة، حين اقتحم الجيش القرية وهدم كل شيء تقريبًا. منذ ذلك الحين، لم يعد ممكنًا تربية المواشي أو حتى الدجاج.. انقطعت الحياة المرتبطة بالأرض والزراعة والرعي، ولم يبقَ سوى خيام مؤقتة، وإصرار عنيد على البقاء.

في كل مرة، يحرص محمد على إنقاذ "الكانون"، موقد النار الذي يرمز لدفء البيت، يحمله بعيدًا عن منطقة الهدم، كمن يحمل ما تبقى من روح المنزل.

يختتم حديثه بمرارة واضحة: "الواقع ذلّ ومرير وصعب جدًا، لكن إيماننا بحقنا في الأرض ثابت".

"أصعب ما نواجهه ليس فقدان البيوت، بل فقدان الإحساس بالأمان.. كل حركة آليات في الأفق، كل غبار يرتفع بعيدًا، قد يكون مؤشرًا على هدم جديد".

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى فوزي، الذي اكتفى بهذا الاسم خشية الملاحقة. عاش في العراقيب منذ طفولته، ولم يعرف حياة خارجها.

يقول لـ"نوى": "أصعب ما نواجهه هنا ليس فقدان البيوت، بل فقدان الإحساس بالأمان.. نعيش في ترقّب دائم".

ويشرح، وكأنه يصف حالة طوارئ لا تنتهي: "كل حركة آليات في الأفق، كل غبار يرتفع بعيدًا، قد يكون مؤشرًا على هدم جديد".

ويحكي عن أطفاله الذين اعتادوا السؤال: "هل سيهدمون اليوم؟"، ذلك السؤال الذي يثقل قلب أبٍ لا يملك إجابة.

يحاول طمأنتهم، وهو يعلم أن الطمأنينة في العراقيب مؤقتة، ومع ذلك، لا يفكر في الرحيل: "إذا رحلنا، ماذا يبقى من العراقيب؟"

يرى فوزي أن سياسة الهدم تهدف إلى دفعهم نحو اليأس وترك الأرض طوعًا، لكنه يؤكد بإصرار: "لن نرحل".

الأعسم: "هذه السياسات تندرج ضمن إطارين: مصادرة الأراضي وتركيز البدو في أقل حيّز ممكن، والحدّ من النمو الطبيعي للسكان الفلسطينيين في النقب".

في السياق نفسه، يؤكد عطية الأعسم، رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، أن سلطات الاحتلال تهدم العراقيب مرارًا بهدف ترحيل سكانها، وزرع أراضيها بأشجار مختلفة، في محاولة لإثبات ملكيتها لغير الفلسطينيين، كما تفعل في قرى ومدن عربية أخرى في النقب.

ويشرح أن هذه السياسات تندرج ضمن إطارين، الأول مصادرة الأراضي وتركيز البدو في أقل حيّز ممكن، ومنع البناء والتخطيط والاعتراف الرسمي بالقرى، أما الثاني، فيتمثل في الحدّ من النمو الطبيعي للسكان الفلسطينيين في النقب، ما يفسر استمرار عمليات الهدم.

الأعسم: "أهالي العراقيب لا يملكون سلاحًا سوى الثبات، عبر إعادة بناء بيوتهم وخيامهم بعد كل عملية هدم، رغم ما تخلّفه هذه السياسات من آثار اقتصادية ونفسية قاسية".

ويؤكد الأعسم أن أهالي العراقيب لا يملكون سلاحًا سوى الثبات، عبر إعادة بناء بيوتهم وخيامهم بعد كل عملية هدم، رغم ما تخلّفه هذه السياسات من آثار اقتصادية ونفسية قاسية، تُبقي السكان في حالة قلق دائم.

وتبقى العراقيب قرية غير معترف بها رسميًا من قبل سلطات الاحتلال، ما يحرمها من أبسط الخدمات الأساسية، كالكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي، فيما يعتمد سكانها على الزراعة البدوية وتربية المواشي.

بين هدمٍ يتكرر، وبناء لا يتوقف، تواصل القرية كتابة حكايتها.. حكاية أرضٍ تُهدَم أكثر من مئتي مرة، ولا تغادرها الحياة.

كاريكاتـــــير