شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:48 بتوقيت القدس

أمراض تنفسية وجلدية وتشوهات أجنة..

ركامٌ مُمتد.. وأطفالٌ يدفعون ثمن الحرب المؤجَّل!

26 فبراير 2026 - 10:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أحد أروقة مستشفى النصر للأطفال بغزة، يستلقي الطفل آدم ياسين على سرير معدني، يعلو صدره وينخفض بصعوبة تحت إيقاع جهاز الأكسجين المتقطع.

في الخارج، يختلط غبار الركام برائحة الوقود المحروق، فيما تحاول ممرضة تثبيت قناع التنفس الصغير على وجهه. من حوله لا تحمل الجدران آثار القذائف وحدها، بل تختزن ضغطًا يوميًا يتسلل إلى أجساد صغيرة تنمو وسط هواءٍ مثقل بالغبار والدخان.

وفق البيانات المتوفرة، تضاعفت حالات التشوهات الخلقية بين المواليد خلال فترة الحرب من 32 حالة لكل عشرة آلاف طفل إلى 64 حالة لكل عشرة آلاف.

ومع الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، تتصاعد المخاوف من التأثيرات طويلة الأمد للتعرض المستمر للمواد السامة الناتجة عن القصف ومخلّفات التفجيرات، خصوصًا على الأطفال الذين يكبرون وسط ركامٍ مفتوح، وبنية تحتية متدهورة، وهواء ملوث.

وبينما تتراكم المؤشرات الصحية المقلقة، يواجه القطاع الصحي تحديًا إضافيًا يتمثل في محدودية القدرة على قياس حجم التلوث الفعلي.

زاهر الوحيدي، مدير قسم المعلومات بوزارة الصحة في غزة، يؤكد أن الوزارة لا تستطيع حتى الآن إثبات علاقة سببية مباشرة بين الأمراض المرصودة والتعرض للمواد السامة، في ظل غياب المختبرات المتخصصة، لكنه يشير إلى ارتفاعات "ملحوظة وخطيرة" في عدد من المؤشرات الصحية.

ارتفعت نسبة وفيات الأجنة داخل الرحم من (0.05%) إلى (1.22%) من إجمالي الولادات، وزادت نسبة الأطفال المولودين بوزن أقل من الطبيعي من (5.5%) إلى (9%).

ووفق البيانات المتوفرة، تضاعفت حالات التشوهات الخلقية بين المواليد خلال فترة الحرب من 32 حالة لكل عشرة آلاف طفل إلى 64 حالة لكل عشرة آلاف.

كما ارتفعت نسبة وفيات الأجنة داخل الرحم من (0.05%) إلى (1.22%) من إجمالي الولادات، وزادت نسبة الأطفال المولودين بوزن أقل من الطبيعي من (5.5%) إلى (9%).

أرقامٌ، بحسب الوحيدي، تعكس عمق الأزمة الصحية، حتى في ظل العجز عن إجراء تحاليل متقدمة تربط النتائج بمصادر التلوث بشكل قاطع.

في المرافق الصحية، يلحظ الأطباء ارتفاعًا غير مسبوق في أمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال. الدكتور أحمد الربيعي، استشاري الباطنة والصدرية في مستشفى الشفاء، يشير إلى تزايد حالات التهابات الشعب الهوائية، والإنفلونزا، والتهابات الجيوب الأنفية، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في معدلات الربو.

ويعزو الأطباء ذلك إلى التعرض المتكرر للغبار الكثيف والجزيئات الدقيقة الناتجة عن القصف وحرق المواد المختلفة، ما أدى إلى تفاقم حالات الربو والتليف الرئوي، وظهور التهابات رئوية حادة مقاومة للمضادات الحيوية في بعض الحالات.

د.الغفري: "الضرر يمتد إلى النمو طويل الأمد، مع تكرار واضح لحالات السعال المزمن وضيق التنفس، والالتهابات الجلدية والحساسية، إضافة إلى ضعف المناعة".

وتبقى الفئات الأكثر هشاشة، من الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين، الأكثر عرضة لدخول المستشفى، والحاجة المتكررة إلى الأكسجين والبخاخات العلاجية.

ولا يتوقف التأثير، بحسب الأطباء، عند حدود الأمراض الحادة. الدكتور يحيى الغفري، رئيس قسم الأطفال في مجمع الصحابة الطبي، يؤكد أن الضرر يمتد إلى النمو طويل الأمد، مع تكرار واضح لحالات السعال المزمن وضيق التنفس، والالتهابات الجلدية والحساسية، إضافة إلى ضعف المناعة.

وعلى المدى البعيد، تظهر مؤشرات على تأخر في النمو البدني من حيث الوزن والطول، بفعل تأثير السموم وسوء التغذية، كما يلاحظ الأطباء صعوبات في التعلم، وضعفًا في الذاكرة، وتأخرًا في اكتساب المهارات اللغوية والاجتماعية، إلى جانب ارتفاع نسب فرط الحركة وتشتت الانتباه والقلق واضطرابات النوم، وهي مؤشرات تثير، وفق الغفري، مخاوف جدية بشأن المستقبل التعليمي والسلوكي لجيل كامل.

وفي قراءة بيئية أوسع، يوضح سعيد العكلوك، رئيس قسم صحة البيئة في وزارة الصحة بغزة، أن الملوثات الناتجة عن القصف لا تقتصر على الغبار المرئي، بل تشمل مكونات المتفجرات نفسها، وما تحويه من معادن ثقيلة ومواد كيميائية قد تبقى في الهواء والتربة فترات طويلة.

ويشير إلى أن انفجار القنابل يطلق جزيئات دقيقة جدًا تدخل الجهاز التنفسي وتترسب في الحويصلات الهوائية، ممهدةً لأمراض مزمنة مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية المزمن.

كما يلفت إلى أن انتشار حرق الإطارات والبلاستيك لاستخراج وقود منخفض الجودة أضاف طبقة جديدة من التلوث، إذ يطلق مركبات كيميائية ذات طبيعة مسرطنة تؤثر على الجهاز التنفسي والجلد والأغشية المخاطية.

د.العكلوك: "انفجار القنابل يطلق جزيئات دقيقة جدًا تدخل الجهاز التنفسي وتترسب في الحويصلات الهوائية، ممهدةً لأمراض مزمنة مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية المزمن".

ويحذر كذلك من مخاطر تلوث التربة والمياه الجوفية نتيجة تراكم النفايات وانهيار شبكات الصرف الصحي، "بما قد يفتح الباب أمام أزمات صحية ممتدة".

أحد أخطر أوجه الأزمة، بحسب العكلوك، يتمثل في الفجوة بين حجم التلوث المحتمل والقدرة الفعلية على قياسه؛ فالمختبرات المتوفرة حاليًا في قطاع غزة قادرة على فحص بعض الملوثات الميكروبيولوجية في المياه، مثل البكتيريا الدالة على التلوث، وإجراء تحاليل جرثومية أساسية، لكنها تفتقر إلى مختبرات متقدمة لتحليل المعادن الثقيلة، أو المواد المشعة، أو بقايا المتفجرات المعقدة في التربة والمياه والهواء.

وهذا يعني أن جزءًا من المخاطر البيئية قد يبقى غير مرصود علميًا، لا لعدم وجوده، بل لغياب أدوات القياس اللازمة.

منذ السابع من أكتوبر 2023م، وحتى الثالث من فبراير 2026م، أُبلغ عن مقتل (71,803) فلسطينيين، بينهم (21,289) طفلًا، وإصابة (171,230) شخصًا، من بينهم (44,500) طفل.

ويؤكد العكلوك أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب مسحًا بيئيًا شاملًا، وإنشاء مختبرات متخصصة لتحديد نوعية الملوثات وسبل معالجتها.

وفي ظل تفاقم المؤشرات الصحية والبيئية، تعكس بيانات "UNICEF" حجم الكلفة البشرية للحرب على قطاع غزة، لا سيما على الأطفال، فمنذ السابع من أكتوبر 2023م، وحتى الثالث من فبراير 2026م، أُبلغ عن مقتل (71,803) فلسطينيين، بينهم (21,289) طفلًا، وإصابة (171,230) شخصًا، من بينهم (44,500) طفل.

وتؤكد المنظمة أن الأزمة الصحية ترتبط بانهيار الخدمات الأساسية، وتعثر الإمدادات الطبية، وتلوث المياه، وسوء الصرف الصحي، والاكتظاظ في الملاجئ، ما أدى إلى تفشي أمراض مثل الإسهال، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، وعودة فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح، إلى جانب تفاقم سوء التغذية بين الأطفال.

كاريكاتـــــير