شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:05 بتوقيت القدس

يفتقدّن "اللّمة الحلوة" وتفاصيل أخرى

مغتربات يؤكدن "رمضان في غزة حاجة تانية"

25 فبراير 2026 - 10:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ما بين طيف رمضانٍ كان يحمل رائحة الماضي القريب، ورمضانٍ آخر فقدَ كل نكهاته، ثمة ذكريات تقف كالغصّة في حلق كل مغترب. كلُ من خرجوا من غزة في أثناء حرب الإبادة الإسرائيلية يفتقدون "اللّمةَ الحلوة" في رمضانِ بلادهم وأعذب لحظاته التي يعرفون سرها، تلك التي لن يعوّضها أيُ مكانٍ مهما كان مستقراً أو ساحراً في أجوائه.
موائد دافئة، وبيوت تضيئها فوانيس الحب، ومقاعدٌ يملؤها أفراد العائلة، وأطباق مما لذَّ وطاب، والأهم ضحكات لا تنتهي، كل ما سبق تتذكره مغترباتٌ غزيات بحنين كبير.

رؤى الخطيب التي تعيش حالياً مع أسرتها الصغيرة في تركيا، كانت قد عادت أدراجها إلى غزة قبل أربعة شهورٍ من اندلاع الحرب، لأنها لم تستطع أن تألف العيش في مكانٍ آخر غير بلدها، ثم اضطرت للخروج مع أطفالها في آذار 2024 عائدةً إلى مدينة كارابوك.

"رمضان في الغربة ناقصٌ من كل شيء. ناقص ونس ولمّة وعزايم وسهرات، حتى أجواء السحور التي لا يمكن أن نجد مثلها في العالم".

تقول رؤى لـ"شبكة نوى": "أول رمضان في الحرب قضيته في غزة، كانت الحياة حينها صعبة في كل تفاصيلها، عدا عن الخوف والنزوح، ومع هذا كان جميلاً في نظري بسبب وجود العائلة".

"ماذا عن رمضان في الغربة؟" تجيب عن سؤالي بانفعال: "ناقصٌ من كل شيء. ناقص ونس ولمّة وعزايم وسهرات، حتى أجواء السحور التي لا يمكن أن نجد مثلها في العالم. حقاً أفتقد كل تفاصيله، الأهل والأحباب، وصوت "المسحراتي"، وصوت الأطفال بعد الإفطار مع المفرقعات النارية في الشوارع".

يظهر التأثر في نبرة رؤى وهي تضيف: "كل ما أتمناه أن تعود غزة كما كانت قبل الحرب، وعهدٌ عليّ سأقضي عندئذٍ كل أيامي وأعيادي فيها".

صلة الرحم والروحانيات

هبة عبد الهادي التي سافرت إلى مصر ككثيرٍ من الغزيين بحثاً عن الأمان، تصف لنا مشاعر الشوق، بقولها: "رمضان كان العيلة و"اللمّة الحلوة"، كنا نتهلّل فرحاً بقدوم شهر الخير والمحبة. رمضان غزة كان الحياة والأسواق والجمال والصلاة والعبادة وصلة الأرحام. أعترف أن الشعور بالوحدة ينهش كل مغترب فينا، كلنا نفتقد أهلنا وأصحابنا ونحزن لما آل إليه وضعهم".

"آخر رمضان قضيته مع عائلتي وزوجي كانت تغمره الوداعة. زيّننا المنزل لاستقبال الشهر الفضيل. كنت وقتها أفتقد والدي رحمه الله لكن هذا لم يلغِ أجواءه".

سألنا إيمان محمود عن آخر رمضان لها قبل الحرب، وسُرعان ما لمعت الذكريات في عيونها، قائلةً: "آخر رمضان قضيته مع عائلتي وزوجي كان هادئاً تغمره الوداعة، وزيّننا المنزل لاستقبال الشهر الفضيل. كنت وقتها أفتقد والدي رحمه الله لكن هذا لم يلغِ مشاعر النقاء والرقة في أجوائه. أذكر أنني صليت في كثير من المساجد منها المسجد العربي والأمين والمقوسي، ومن المؤلم أنها كلها قُصفت".

ولعل أكثر ما تفتقده إيمان، وفقاً لحديثها، صلة الأرحام والتزاور بين الأقارب، داعيةً الله أن يجمعها بذويها "على خيرٍ وسلامة".


آخر رمضان قضته جيهان الهندي في غزة، اختارت الزينة بعناية لتناسب كل ركن في منزلها. ولا يفارقها مشهد المائدة والجميع يلتف حولها في انتظار "الله أكبر" عند أذان المغرب، إذ تتذكره كل يوم مع أسرتها الصغيرة بمجرد أن يحين موعد الإفطار، مردفةً حديثها: "أفتقدُ كل شيء، ولا أنسى مصحفي الذي رافقني في كل رمضان من عمري".

وأيضاً، لدى جيهان ذكريات مؤلمة في أثناء النزوح في خيمة مهترئة لم تسمح ظروفها بأداء العبادة بخشوع، مضيفة: "كانت الصعوبات تطال حتى الوضوء لعدم توفر المياه، وينفد شحن هاتفي أول الليل، وبالتالي لا يتسنى لي أداء صلاة القيام لعدم توفر كشّاف، أو على الأقل لأتلو ما تيّسر من القرآن الكريم".
وتقرّ بأنها تخجل في مصر من الاحتفال أو إظهار الفرحة بالشهر الكريم، موضحة: "يعاني أهلنا وأحبابنا في غزة من توفير أسياسيات الحياة، سأشعر بتأنيب الضمير إذا اشتريتُ لأبنائي فانوساً أو حبل زينة".

وتفتقد هذه السيدة أهلها وأهل زوجها، وكذلك الزيارات والولائم الرمضانية، والتنافس مع أخواتها في ختم القرآن، معقبّة: "تتوفر الإمكانيات في الغربة، لكن الحلقات كلها تبدو مفقودة حين نبتعد عن الوطن".

البقعة المظلمة المضيئة

ذات يوم، كانت هديل الإفرنجي تعيش في منزلٍ عامر بالحب والسعادة والاستقرار وراحة البال، وتنتظر رمضان كل عام بفارغ الصبر لتتدّلى حبال الزينة بين جنباته، إلى أن جاءت الحرب وهدمت كل شيء، ثم نزحت ثلاث مرات وفي كل مرة تتجلى قطعةٌ من الألم والعذاب، إلا أن ما هوّن عليها أنها بقيت مع عائلتها ولم تفترق عنها.

"بعد وصولي إلى مصر، أمضيتُ شهر رمضان وأنا في المستشفى أبكي وأتألم، وما زاد من وجعي أضعافاً هو الشعور بالوحدة، وعرفتُ حينها أن الغربة والطمأنينة لا تلتقيان".

 إلى أن سافرت هديل بـ"تحويلة مرضية"، كونها مريضة سرطان، تاركة زوجها وأهلها، فيما رافقتها ابنتها فقط. تصغي "نوى" لقصتها باهتمام، حيث قالت: "بعد وصولي إلى مصر، أمضيتُ شهر رمضان وأنا في المستشفى أبكي وأتألم، وما زاد من وجعي أضعافاً هو الشعور بالوحدة، وعرفتُ حينها أن الغربة والطمأنينة لا تلتقيان، وأن تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها".

وتشير إلى أصعب موقف واجهته في مرضها، حين اتصلت عبر الهاتف بوالدتها المصابة بـ"آلزهايمر": "أجهشتُ بالبكاء، ووددتُ لو أن أمي تضمني إلى صدرها لتخفف حزني وتعبي، بعد أن أرهقني العلاج الكيميائي والإشعاعي والبيولوجي".
ولا تملك هديل إلا أن تتفاءل بغد أفضل تعود فيه إلى غزة وقد شُفيت، علّها تقضي "رمضانات" أحلى من تلك التي عاشتها سابقاً.

"في كل مكان في مصر نرى الشرفات وواجهات البيوت قد زينّها أصحابها، أضواء واحتفالات وفوانيس، ورغم جمال الأجواء يبقى شعور الغربة حاضراً".

 سارة شعبان، كسابقاتها، تفتقد رائحة الطعام الشهية التي كانت تنبعث من مطبخ البيت الفسيح، قبل أن يقصفه الاحتلال الإسرائيلي لاحقاً، وتأمل أن تسمع مجدداً ضحكات العائلة، وتؤدي بصحبتهم صلاة التراويح ومشاهدة البرامج المفضلّة.

أسألها "هل صحيح أن رمضان في مصر حاجة تانية؟"، تبتسم سارة ثم تقول: "في كل مكان في مصر نرى الشرفات وواجهات البيوت قد زينّها أصحابها، أضواء واحتفالات وفوانيس، ورغم جمال الأجواء يبقى شعور الغربة حاضراً".

"رمضان غزة غير. سيكون من الصعب أن أشرح الأمر، لكن هذه البقعة الصغيرة المظلمة كان فيها كثيرٌ من بقع الضوء".

 ويدمع الفؤاد الذي ترى صاحبته- ودون أدنى شك- منها أن "رمضان غزة غير. سيكون من الصعب أن أشرح الأمر، لكن هذه البقعة الصغيرة المظلمة كان فيها كثيرٌ من بقع الضوء. الرحمات والسلام كان يتنّزل علينا، رغماً عن الصعوبات وحصار المدينة المطبق قبل الحرب"، تختم حديثها.

كل الذين اغتربوا وتفرّقوا يتمنون من أعماق قلوبهم أن يعودوا لمسقط رأسهم، وأن يحلّ رمضان القادم وقد عادت لغزة بهجتها وروحها التي انتزعتها الحرب الغاشمة منها، وأملهم الوحيد أن يجمعهم الله بأحبتهم في أحسن حال وأهدأ بال.

كاريكاتـــــير