شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:49 بتوقيت القدس

بدون عقود مكتوبة أو ضمانات قانونية

حساباتٌ بنكية "للإيجار".. أموالٌ تسبَح في مساحةٍ رمادية!

22 فبراير 2026 - 10:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على شاطئ المواصي غربي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، لا يبدو المشهد استثنائيًا لمن عاشوا تفاصيل الإبادة.

مقهى صغير، مباراةٌ انتهت، وزبائن يسددون ما عليهم عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني. غير أن رقم الهاتف الذي تُحال إليه المبالغ ليس لصاحب المشروع، والحساب البنكي الذي يستقبل الأموال لا يعود إليه.

خلف هذا التفصيل العابر، تتكشف واحدة من أكثر الظواهر المالية غرابةً في تجاوزاتها المنطقية والقانونية بغزة: تأجير الحسابات البنكية.

إجراءات فتح حساب تجاري جديد، دفعت عائد إلى حلٍ سريعٍ ومحفوفٍ بالمخاطر: استئجار حساب تاجر توقّف نشاطه، مقابل 600 شيكل شهريًا.

عائد ماضي، الذي افتتح مشروعه حديثًا، وجد نفسه أمام معضلة مصرفية معقدة. إجراءات فتح حساب تجاري بدت طويلة وشاقة في ظل ظروف الحرب وتعقيدات العمل المصرفي، فاختار حلًا سريعًا ومحفوفًا بالمخاطر: استئجار حساب تاجر توقّف نشاطه، مقابل 600 شيكل شهريًا.

يستخدم عائد حسابًا لا يملكه، دون عقد مكتوب أو ضمانات قانونية. هكذا تتحرك أمواله في مساحة رمادية، معلّقة بين الحاجة والاحتمال.

هذه ليست حالة فردية، بل مؤشر على خلل أعمق، فمع شح السيولة، وأزمة العملات المعدنية، وتآكل النقد الورقي، ازداد الاعتماد على التحويلات الإلكترونية حتى في أبسط المعاملات، غير أن الحسابات الشخصية لم تعد تتسع لحجم التحويلات المرتبطة بالمشاريع الصغيرة، في حين يتطلب فتح حسابات جارية مخصصة للتجار إجراءات يصعب استكمالها في واقع مضطرب.

عند هذه النقطة، تحوّل الحساب البنكي بغزة من أداة بالغة الخصوصية، إلى سلعة مؤجرة في سوق صامتة.

الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر يرى أن "الظاهرة باتت نتاجًا مباشرًا للتقييدات المصرفية وتعقيدات فتح الحسابات، لكنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة"، قائلًا: "الحساب المؤجَّر قد يُستغل غطاءً لتحويلات مشبوهة أو عمليات غسل أموال، ما يضع صاحبه الأصلي تحت طائلة المساءلة القانونية".

ويضيف: "أي نزاع أو تجميد للحساب يعني أن المستأجر لن يتمكن من استرداد أمواله إلا عبر مالكه الرسمي، الأمر الذي يفتح الباب أمام نزاعات مالية قد تتجاوز حدود الثقة الشخصية"، مشيرًا إلى أنه وحتى في حال وفاة صاحب الحساب، تتشابك المسألة مع قضايا الإرث وتقسيم التركة، لتتحول المعاملة البسيطة إلى إشكال قانوني معقد.

"لا يجيز القانون نقل حق استعمال الحساب مقابل منفعة، حتى في ظل أزمات اقتصادية خانقة، لأن مبدأ الضرورة لا يبرر أفعالًا قد تُستخدم للتحايل على الرقابة أو ارتكاب جرائم مالية".

من زاوية قانونية، يؤكد الباحث والمختص بالشأن القانوني، المحامي عبد الله شرشرة أن تأجير الحسابات يخالف جوهر العلاقة التعاقدية بين العميل والبنك، القائمة على الاستخدام الشخصي الحصري.

ووفقًا لشرشرة، لا يجيز القانون نقل حق استعمال الحساب مقابل منفعة، حتى في ظل أزمات اقتصادية خانقة، لأن مبدأ الضرورة لا يبرر أفعالًا قد تُستخدم للتحايل على الرقابة أو ارتكاب جرائم مالية. "الخطر هنا لا يمس الأفراد وحدهم، بل يطال سلامة النظام المالي بأكمله" يعقب.

"المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، ما لم تُرفق ببدائل قانونية تحمي الناس من الوقوع في فخ الحلول غير النظامية".

أبو قمر، وشرشرة، دعيا إلى مسارين متوازيين: أولهما تشديد الرقابة المصرفية عبر أدوات متابعة رقمية وأنظمة إنذار مبكر للحركات غير الاعتيادية، وثانيهما توفير حلول رسمية ميسّرة لفتح الحسابات الجارية وتسهيل التحويلات الآمنة. "فالمعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، ما لم تُرفق ببدائل قانونية تحمي الناس من الوقوع في فخ الحلول غير النظامية" يزيد شرشرة.

بين الحاجة الملحّة لتسيير الأعمال اليومية، ورغبة القطاع المصرفي في حماية بنيته المتعبة، تقف ظاهرة تأجير الحسابات عند تقاطع حساس: إنها ليست مجرد مخالفة تعليمات مصرفية، بل انعكاس لاقتصاد مأزوم يبحث عن مخارج سريعة، ولو عبر أبواب مواربة.

وفي مدينة أنهكتها الحرب، يتحول الاسم على كشف الحساب إلى عبء، ويصبح الرقم البنكي مساحة مخاطرة مفتوحة، حيث تختلط الضرورة بالمساءلة، ويظل الثمن مؤجلًا حتى إشعار آخر.

كاريكاتـــــير