غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وُلد "محمد" عام 2024م في تركيا، فيما كانت الحرب تواصل التهام الحياة في قطاع غزة، لكن ولادته خارج الوطن لم تمنحه حياةً أكثر أمانًا، بل سلبته أبسط حقوقه القانونية، وفي مقدمتها الهوية الوطنية الفلسطينية.
منذ لحظاته الأولى، وجد نفسه خارج السجلات، بلا رقمٍ وطني، وبلا تعريفٍ واضح، كأنه وُلد على هامش الجغرافيا والقانون معًا.
عند مراجعة عائلته السفارة الفلسطينية في أنقرة لاستخراج جواز سفر للطفل، مُنحت وثيقة سفر تُعرف بـ"الجواز المُصفّر"، وهو جواز لا يحمل رقمًا وطنيًا، نتيجة تعذّر تسجيل المواليد خلال الحرب. وثيقةٌ مؤقتة، لا تمنح اعترافًا قانونيًا كاملًا، ولا تؤسس لحقٍ ثابت، بل تُبقي الطفل في منطقة رمادية، بين كونه موجودًا وكونه غير معترف به.
"السفارة أبلغتنا بضرورة دخول الطفل إلى قطاع غزة من أجل الحصول على الرقم الوطني، ومن ثم إصدار جواز سفر رسمي، غير أن إغلاق المعابر، جعل هذا الشرط غير قابل للتنفيذ".
توضح أم محمد أن السفارة أبلغتهم بضرورة دخول الطفل إلى قطاع غزة من أجل الحصول على الرقم الوطني، ومن ثم إصدار جواز سفر رسمي، غير أن إغلاق المعابر، واستحالة الوصول إلى غزة، جعلا هذا الشرط غير قابل للتنفيذ، ليبقى الطفل عالقًا في وضع قانوني معلّق، بلا أفقٍ واضح.
تقول أم محمد: "هذا الواقع فرض علينا صعوبات قاسية في السفر والتنقّل، إذ كان دخول بعض الدول، مثل مصر، مشروطًا بدفع مبالغ مرتفعة لما يُعرف بـ"التنسيق"، تراوحت بين 600 و1000 دولار، إضافة إلى الحصول على ورقة موافقة مؤقتة عند الوصول. غير أن هذه التسهيلات أُلغيت لاحقًا، ليُمنع حاملو الجوازات المصفّرة من الدخول بشكل كامل".
وتضيف بصوتٍ يختصر المأزق: "ابني اليوم بلا رقم وطني، وبلا جواز سفر، وبلا قدرة على السفر أو العودة إلى غزة، فقط لأنه وُلد خارج القطاع خلال الحرب".
وتؤكد أن طفلها ليس حالةً فردية، بل واحد من عشرات الأطفال الذين وُلدوا خارج غزة خلال الحرب، ويواجهون المصير ذاته، محرومين من الهوية وحرية التنقّل، في ظل غياب أي حلول رسمية.

وتتكرر القصة مع الطفلة ليان (التي فضل أهلها عدم ذكر اسم العائلة)، إذ وُلدت عام 2024م في مصر بعد خروج والدتها من غزة خلال الحرب.
منذ ولادتها، تعيش ليان بلا رقم وطني وبلا وضع قانوني واضح، تمامًا كطفل أم محمد. تكبر وهي معلّقة بين الحدود، بلا وثيقة تضمن لها حق الحركة أو الاستقرار.
تخبرنا والدتها أن ابنتها تعيش بلا هوية حقيقية، وبلا أي سند قانوني يضمن مستقبلها، لتقضي سنواتها الأولى في حالة دائمة من القلق وعدم اليقين.
وتقول: "سجّلناها في السفارة الفلسطينية في مصر، فحصلت على جواز مصفّر، لكننا وجدنا أنفسنا خارج كل الأطر القانونية. لا نعرف كيف نسجّلها، ولا كيف نحصل لها على رقم وطني، ولا إلى أي إطار ننتمي قانونيًا".
المحامي شرشرة: "الطفل الذي لا يحمل رقمًا وطنيًا يُعدّ معرّضًا لخطر انعدام الجنسية بحكم الواقع، وهو وضع ترفضه قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان".
وفي محاولة لفهم الوضع القانوني للأطفال الفلسطينيين المولودين خارج غزة خلال الحرب، أجرت "نوى مقابلة مع المحامي عبد الله شرشرة، الذي أوضح أن الطفل الفلسطيني المولود خارج القطاع يتمتع -من حيث المبدأ- بصفة شخص محمي وفق المادة (4) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، باعتباره فردًا من السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال.
ويضيف شرشرة: "الطفل الذي لا يحمل رقمًا وطنيًا يُعدّ معرّضًا لخطر انعدام الجنسية بحكم الواقع، وهو وضع ترفضه قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (7) من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، التي تكفل حق الطفل في التسجيل فور الولادة، وحقه في اسم وجنسية.
ويؤكد أن غياب الرقم الوطني لا يُسقط عن الطفل صفته القانونية ولا حقوقه الأساسية، بل يُنشئ التزامًا قانونيًا على عاتق السلطة القائمة بالاحتلال، وكذلك على عاتق السلطة الفلسطينية عبر سفاراتها، ومنظمة التحرير الفلسطينية، لمعالجة هذا الفراغ القانوني.
شرشرة: "الجواز المُصفّر من الناحية القانونية لا يعدو كونه وثيقة إدارية مؤقتة، لا ترقى إلى مرتبة الجنسية أو الهوية القانونية الكاملة، ولا تنشئ رابطة قانونية دائمة بين الطفل والدولة".
وحول اشتراط إدخال الطفل إلى قطاع غزة لاستخراج الرقم الوطني، يشدد شرشرة على أن هذا الشرط، في ظل الإغلاق الكامل للمعابر، يُعد تعجيزيًا وغير مشروع بموجب القانون الدولي.
ويستند في ذلك إلى المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُلزم قوة الاحتلال باحترام الحقوق الشخصية والعائلية للأشخاص المحميين دون فرض عراقيل غير مبررة، إضافة إلى المادة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر التدابير التي تعيق التمتع بالحقوق.
أما ما يُعرف بـ"الجواز المُصفّر"، فيوضح شرشرة أنه من الناحية القانونية لا يعدو كونه وثيقة إدارية مؤقتة، لا ترقى إلى مرتبة الجنسية أو الهوية القانونية الكاملة، ولا تنشئ رابطة قانونية دائمة بين الطفل والدولة، ولا توفر حماية شاملة لحقوقه المدنية والسياسية، مشيرًا إلى أن تعليق لجنة حقوق الطفل رقم (7) يؤكد أن وثائق السفر المؤقتة لا تُغني عن التسجيل المدني ولا تحقق متطلبات الحق في الهوية.
ويكمل: "الجواز المصفر لا يحمي الطفل من مخاطر انعدام الجنسية، ولا يضمن له حق الإقامة أو لمّ الشمل أو حرية التنقل بشكل مستقر".
حرمان الطفل من الهوية وحرية الحركة يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إذ يخالف المادة (8) من اتفاقية حقوق الطفل، ويشكل خرقًا للمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويعدُّ حرمان الطفل من الهوية وحرية الحركة انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إذ يخالف المادة (8) من اتفاقية حقوق الطفل، ويشكّل تقييد حرية التنقل خرقًا للمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي سياق الاحتلال، يوضح أن هذا الحرمان قد يرقى إلى إجراء عقابي جماعي محظور بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، خاصة إذا كان ناتجًا عن سياسة عامة لا تراعي المصلحة الفضلى للطفل.
ويختم شرشرة بالقول: "الحل القانوني يكمن في اعتماد آلية تسجيل مدني استثنائية خارج الإقليم، تتيح تسجيل المواليد الفلسطينيين ومنحهم أرقامًا وطنية دون اشتراط الدخول إلى قطاع غزة، استنادًا إلى مبدأ استمرارية الشخصية القانونية للسكان الواقعين تحت الاحتلال".
ويؤكد ضرورة تفعيل الولاية الحمائية للأمم المتحدة، ولا سيما عبر "يونيسف"، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، واللجوء إلى الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، باعتبار هذه الحالة نمطًا من الانتهاكات المستمرة، مع التأكيد على أن المصلحة الفضلى للطفل تُعد قاعدة آمرة في تفسير وتطبيق جميع القواعد ذات الصلة.
























