شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م16:17 بتوقيت القدس

القانون: "الأبناء غير ملزمين بالسداد إذا لم يترك المال"

استُشهد "المُعيل" وبقي الدَّين حيًّا يطرق أبواب الأرامل

09 فبراير 2026 - 08:15
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يوماً بعد آخر، تصبح الأعباء التي خلّفتها الإبادة أثقل وأقسى، فلا يقتصر الأمر على الأبعاد النفسية والاجتماعية لاستشهاد آلافٍ من أرباب الأسر، وإنما يمتد إلى تَبعات مالية لا تطيقها عائلات الشهداء، خصوصًا النساء والأطفال، وتتمثل في الديون التي تركها "عمود الدار". إذ يشقّ على الأبناء وأمهاتهم الوفاء بالدَّيْن، بسبب فقدان مصدر الدخل وتراجع الدعم المجتمعي، فيما تبدو الموازنة شبه مستحيلة بين الحفاظ على حياتهم اليومية ومَطالب الدائنين.

قبل السابع من أكتوبر، اضطر أبو مالك أبو رية إلى استدانة مبلغٍ قدره سبعة آلاف دولار، بغرض بناء منزلٍ للعائلة، لكنه قضى شهيداً، قبل أن يتمكن من سداده. المنزل الذي لطالما حلم بدفئه، صُبّت فيه ثلاثة طوابق، لكنه لم يكتمل جراء اندلاع الحرب.

"تعاونت مع زوجي وأبنائي لسداد الدَّيْن، كلٌ منا بذل قصارى جهده، لكن استشهاده غيّر المعادلة، ليلحقه أولادي بعدها. تركوني وحيدةً دون معيل أو سند".

تقول زوجته أم مالك لـ "نوى": "تعاونت مع زوجي وأبنائي لسداد الدَّيْن، كلٌ منا بذل قصارى جهده، لكن استشهاده غيّر المعادلة، ليلحقه أولادي بعدها. تركوني وحيدةً دون معيل أو سند. واليوم، أنا أكافح من أجل أن تعيش ابنتاي، وإحداهما من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأنا أيضاً مريضة وأحتاج إلى علاجٍ عاجل لتورم العصب البصري".

البيت، الذي كان يُفترض أن يصبح ملاذًا آمنًا للعائلة، أصبح يحكي قصة فقدٍ موجعة. جدرانه الباردة، تُذّكر أم مالك بـ"ذلّ الدَّيْن". كل ليلة تحدّق في الفراغ، وتسأل نفسها "ربّاه ماذا أفعل؟"، وتبوح للسماء بحزنها.

"لا أستطيع سداد الديون. أنا بلا عمل، والناس يطرقون بابي للمطالبة بحقهم، ولا يراعون ظروفي".

في حين، تقول أم مريم، وهي أمٌ لطفلتين أكبرهما لا تتجاوز أربعَ سنوات، إن زوجها استُشهد في الحرب، وقد سبقَ أن اقترضَ مبلغًا لشراء سيارة كي يتسنّى له أن يعمل سائقاً ويوفر قوت يومه، إلا أن الحرب لم تُبقِ لها زوجًا ولا مصدر دخل، وأضحت الديون هماً ثقيلاً يطاردها.

تخبرنا أم مريم: "لا أستطيع سداد الديون. أنا بلا عمل، والناس يطرقون بابي للمطالبة بحقهم، ولا يراعون ظروفي".

"أما من أحدٍ من عائلة زوجك بوسعه المساعدة؟" تجيب عن سؤالي: "حمايّ رجلٌ مسنّ لا يستطيع العمل، وتتكفّل إحدى المؤسسات بطفلتيّ للمساعدة جزئياً، وبالكاد أستطيع توفير الغذاء والملابس لهما".

دور المخاتير محدود

لم تكن ماجدة سلامة أفضل حالاً من سابقاتها، فهي تعاني ضغوطاً نفسية هائلة بسبب ديون زوجها الراحل، التي بدأت بشراء شقة عام 2012، إلا أنها تضرّرت كثيراً في إثر عدوان عام ٢٠١٤. وما لبث أن أصلح زوجها المنزل بديون جديدة، قبل أربعة شهورٍ من الإبادة.

 وتشعر المرأة بالضياع لأن "التكاليف والوثائق المتعلقة بدْين زوجي ظلت مجهولة" تبعاً لكلامها.

وفي الوقت نفسه، تتساءل بِحيرة: "ألاقيها منين ولا منين"، حيث تواجه ماجدة صعوبةً بالغة في توفير متطلبات أبنائها الذين تتفاوت أعمارهم من أربعة عشر إلى عشرين عاماً، بعد أن رفضت معظم المؤسسات الخيرية مساعدتهم، بسبب أعمارهم.

آلاف الأسر المتضررة تعيش قصصاً مشابهة، ومعاناةً لا حدّ لها من الضغوط النفسية والأعباء الاقتصادية والاجتماعية، وقد ذاقوا الأمرّين في إبادةٍ استمرت عامين من القتل والتدمير.

 المختار المدهون: "في الحالات التي يكون فيها الأبناء قاصرين، نحاول إقناع الدائنين بمزيدٍ من الصبر، وتأجيل المطالبة إلى حين بلوغ الأبناء سن الرشد واستقرار الأوضاع".

يقول المختار زهير المدهون لـ "نوى": "خلّفت الحرب خسائرَ فادحة في الأرواح والممتلكات، في وقتٍ تعيش فيه العائلات حالةَ نزوح مستمر، لتدخل قضية كهذه منحىً أكثر تعقيدًا، خاصة مع غياب القانون وانهيار الأمن ومراكز الشرطة".

وعن دور المخاتير في هذا الجانب، يذكر المدهون: "لاحظنا أن القضايا بين الدائن والمدين أصبحت أوسع انتشارًا بعد الإبادة، ودورنا هنا محدود جدًا، ولا نعمل إلا بالحسنى والخير".

وحسبما يفيد، غالبًا ما يكون التدخل من منطلقٍ ديني وأخلاقي، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها الأبناء قاصرين، ويُطلب من الدائنين إحضار الوثائق التي تثبت الدَّيْن، مردفاً حديثه بالقول: "نحاول إقناعهم بمزيدٍ من الصبر، وتأجيل المطالبة إلى حين بلوغ الأبناء سن الرشد واستقرار الأوضاع".

القُصّر يتمتعون بحماية خاصة

إذا ما سألتم عن رأي القانون، فإنه يُختصر في الآتي: الديون لا تُحمَّل للورثة إلا في حدود التركة- إن وُجدت- ولا يجوز قانونيًا ملاحقة أبناء الشهيد أو أسرته في حال عدم وجود مالٍ خلّفه المتوفى. كما يتمتع القُصّر بحمايةٍ خاصة من المحكمة الشرعية، تمنع إلزامهم بأي التزامات مالية.

وفي السياق ذاته، يؤكد المحامي محمد المصري أن مسألة الديون التي يتركها الشهيد "تخضع لأحكامٍ قانونية وشرعية واضحة، ولا يجوز تحميل الأبناء ما يفوق مُجمل ما تركه والدهم من تركة".

المحامي المصري: "الدائن يحق له المطالبة بدينه فقط من المال الذي خلّفه الأب، أما إذا لم يترك الشهيد أيَّ مال، فلا يمكن إلزام الأبناء قانونيًا بسداد الدَّيْن".

وبكل وضوح، يضع المصري النقاطَ على الحروف: "الدائن يحق له المطالبة بدينه فقط من المال الذي خلّفه الأب، حتى لو كان الدَّيْن أكبر من قيمة التركة، أما إذا لم يترك الشهيد أيَّ مال، فلا يمكن إلزام الأبناء قانونيًا بسداد الدَّيْن، والالتزام في هذه الحالة يكون أخلاقيًا لا قانونيًا".

ووفقاً لحديث المصري، يتمتع القُصّر بحمايةٍ خاصة من المحكمة الشرعية، ولا يجوز التصرف بأموالهم أو إلزامهم بأي التزامات مالية إلا بإذن القاضي الشرعي، كما لا يجوز ملاحقة أبناء الشهيد قانونيًا بسبب ديون والدهم.

إذن، تبقى معاناة أسر الشهداء معلّقةً بين الحاجة والضغط الأخلاقي، في انتظار ما يكفل حماية الأبناء من دفع ثمن حربٍ لم يختاروها، ويضمن لهم مستقبلًا كريمًا بعيدًا عن وطأة الديون والفقر.

كاريكاتـــــير