شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م16:21 بتوقيت القدس

ذكراهم حيّةً في قلوب طلبتهم..

معلمون شهداء لكنَّ "أثر الفراشة لا يزول"

03 فبراير 2026 - 12:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

 بكل وفاءٍ ومحبة، تتذكر انتصار رجب معلمَ الفيزياء راني البرقوني، فأستاذها قضى شهيداً إبّان الحرب، وكان أول من آمن بقدراتها، وشجّعها على المضي قدماً في علم الفيزياء.

 إعجاب انتصار بهذا المعلم له سبب، إذ لم يتعامل يوماً مع مادة الفيزياء بجمود، بل كان يحوّلها إلى صورةٍ حيّة تصل إلى العقول بسلاسة، باعتماده أسلوباً يمنح المعنى قبل القانون، كما تقول.

ما زال اسم راني البرقوني حاضرًا كلما اجتمعت انتصار مع زميلاتها واستعدنَ ذكريات المدرسة، فلا تُذكر مدرسة "دلال المغربي" دون أن يكون اسمه مقروناً بها.

وبلغ تأثرها به، أنها اختارت دراسة الفيزياء حين التحقت بالجامعة، موضحةً في حديثها لـ"شبكة نوى": "أنا وكل زميلاتي، لم نحب مادة الفيزياء بمعزلٍ عن الطريقة الإنسانية البديعة التي قدّمها بها. لم يتوانَ الأستاذ راني عن الشرح والتوضيح بكل السبل، جامعاً بين الجدية ورحابة الصدر والتقدير، ما جعل حِصصه مساحةً آمنة للسؤالهم".

عندما وصل خبرُ استشهاده مع طفليه وعددٍ من أفراد عائلته، شعرت انتصار أن الحربَ تنتزع بوحشيةٍ ذكريات "أناسٍ رائعين"، لكن أنّى لـ"أثر الفراشة أن يزول".

فما زال اسم راني البرقوني حاضرًا كلما اجتمعت مع زميلاتها واستعدنَّ ذكريات المدرسة، فلا تُذكر مدرسة "دلال المغربي" دون أن يكون اسمه مقروناً بها، "سيظل حياً في ذاكرتنا بكلماته المشجعة وتعليقاته الذكية والطريفة" تقولها بابتسامة يملؤها الحزن.

في غزة، لا ينتهي الدرسُ بانتهاء الحصة، ولا يغيب المعلمُ بغياب الجسد. هنا، حيث يُقصف الحجر والذاكرة معًا، يبقى المعلم شاهدًا حيًّا على أن الكلمة قد تنجو، وأن الأثر أبقى من الصوت.

وتشير المعطيات إلى استشهاد 246 من الكادر الجامعي، و794 من معلمي ومعلمات المدارس، في حصيلةٍ تحولّت فيها الأرقام إلى فواجع، فهي ليست بإحصاءاتٍ صمّاء؛ بل قاعاتٍ أُطفئت أنوارُها، و"سبّورات" ظلت شاهدةً على درسٍ لم يكتمل، وأصواتاً غرست القيم قبل المعلومة، فما أراده الاحتلال باستهداف هذا العدد من المعلمين، أن يقضي على مستقبلٍ كامل.

أثرٌ أبوي لا يُنسى

حين يتعلق الأمر بـ د. وليد العامودي، فالتعريف به أكبر من مجرد إنجازٍ أكاديمي، بحصوله على درجة الأستاذية في التفسير وعلوم القرآن. "لقد كان أنموذجاً لرجلٍ لا يرى في التدريس وظيفةً عابرة، بل أمانةً ثقيلة ومسؤوليةً أخلاقية وعطاءً لا ينضب" وفقاً لرأي زميله في الجامعة، د. طارق التلباني، الذي وصفه قائلاً: كان د. وليد حاضرًا بعلمه وأخلاقه معًا؛ دقيقًا في منهجه، رحيمًا بطلبته، واسع الصدر في نقاشه، متواضعاً لا يتعالى بعلمه. يؤمن أن الأستاذ الحقيقي هو من يُربّي قبل أن يُدرّس، يهتم بالقيم بالدرجة ذاتها من إتقانه شرح النصوص، لذلك تجاوز حضوره في الكلية حدود الجداول والمحاضرات، وأصبح مرجعيةً أخلاقية وإنسانية لزملائه قبل طلبته".

ويفتقد دكتور طارق بشدة "أخاً كبيراً، وناصحاً أميناً، وصديقاً صدوقاً" حسب تعبيره، متمنياً أن يُحتذي به في كثير من التفاصيل: "لم يترك نشاطًا إلا وكان حاضرًا فيه، مشاركًا أو داعمًا بصمتِ محب، حتى أنه بدأ خطواتٍ عملية لإنشاء وقفٍ خاص بالكلية يعود ريعه لطلبة العلم الشرعي، حرصاً منه في مشروعٍ كهذا على استمرار الخير بعد رحيله".

"لقد كان د.وليد العامودي أنموذجاً لرجلٍ لا يرى في التدريس وظيفةً عابرة، بل أمانةً ثقيلة ومسؤوليةً أخلاقية وعطاءً لا ينضب".

وفي ذاكرة طلبته، ترك د. وليد أثرًا أبويًا لا يُنسى. تحكي عنه تلميذته عهود: "حضوره كان مرادفاً للطمأنينة؛ يدخل القاعة فيسكن القلق، ويشرح الدرس فيفتح لنا آفاقًا جديدة في تدبّر القرآن، ليستمر أثرُها بعد انتهاء الدرس".

وتبعاً لحديث عهود، لم يختزل العامودي الطالب في علامة، وإنما رآه إنسانًا له ظروفه وأسئلته ومخاوفه.

كان أكثر ما يلفت انتباهها بشأنه، قربه ونصحه المخلص للطلبة، فيُشعرهم أن "العلم رسالة حياة لا سباقَ درجات، وأن الكلمة الصادقة قد تسبق المعلومة في أثرها"، لذا ستبقى حروفه، قبل علمه، حيّةً في الذاكرة، والكلام لها.

"سلوكٌ يُعاش"

لم يُستهدف التعليم كونه قطاعاً حيوياً فحسب، بل فكرةً ودوراً حاسماً في بناء المجتمع، والمعلمون الذين قصفتهم طائرات الاحتلال بلا ذنب، لم يكونوا مجردَ موظفين في سلك التعليم، بل صنّاعَ وعيٍ، وحَملة أمانة، وملامح طمأنينة في زمنٍ مرتبك.

سألتُ الطالبة ضحى حبيب عن المعلمة التي أثرَّ استشهادها بها، فكان جوابها على الفور: "معلمتي الحبيبة أماني المغني، التي درّستني التربية الإسلامية في الصفّ السابع والثامن والعاشر على التوالي، في مدرسة صبحي أبو كرش. لقد كانت من أكثر الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في حياتي".

"زرعت المعلمة أماني بداخلي فهمًا عميقًا ومتوازنًا للدين. دينُ يسرٍ؛ قريبٌ من الناس، لا تشددّ فيه ولا تنازل عن الحق".

ويحلو لها أن تصفَ معلمتها أماني على هذا النحو: "يا لها من نموذجٍ إنساني متوازن، يجمع بين الحزم والانضباط من جهة، وخفة الظل واللطف من جهةٍ أخرى".

وعن سر محبة الطالبات لها؛ أشارت إلى قدرتها الفائقة على صنع الاحترام الممزوج بالود دون خوف، والأهم أن "التربية الإسلامية" كانت حاضرةً في معاملاتها اليومية داخل الفصل، وتظهر في سلوكها قبل شرحها".

ومن أبرز مآثر هذه المعلمة، كما تفيد ضحى، أنها وجّهتها لاختيار "الفرع الشرعي" في وقتٍ لم تنتبه فيه لهذا المسار، مبينةً: "زرعت داخلي فهمًا عميقًا ومتوازنًا للدين. دينُ يسرٍ؛ قريبٌ من الناس، لا تشددّ فيه ولا تنازل عن الحق، ولا صورة نمطية مشوّهة؛ كما يروّج لها الإعلام أحيانًا".

"كيف أثرَّ رحيلها عليكِ؟".. تترقرق دمعةٌ في عينيها ثم تضيف: "غيابها ليس فقدًا عادياً، قيمها التي غرستها بنا ما زلت أحملها في قلبي، وأحاول أن أوصلها للآخرين دون وعيٍ مني".

 يبدو من حديث ضحى، أن تلك القيم تشكّلت بهدوء، وظهرت آثارها لاحقًا في الشخصية والمواقف والاختيارات، بما يعكس عمقَ الأثر الذي لا يُقاس بزمن الحصة، بل ببقائه على مرّ الزمان.

ومما سبق يتضح أن المعلمين حين رحلوا إبّان الحرب على غزة، لم يأخذوا الدرسَ معهم، بل تركوه إرثاً في نفوس من علّموهم، وهذا هو الأثر المفتوح بعينه الذي يمتد مع العمر.

كاريكاتـــــير