شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م18:08 بتوقيت القدس

تفوّقت على صعوبات "توجيهي"

بعيونٍ مُنطفئة ربحت داليا معركتها الفاصلة

01 فبراير 2026 - 09:17
الشابة داليا حجاج
الشابة داليا حجاج

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

 لسنواتٍ خلت، كانت داليا حجاج مثالًا للطالبة المجتهدة التي رسمت مستقبلها بإصرارٍ لا يعرف التراجع، ومضت نحوه بخطوات ثابتة، مستنيرةً ببصيرتها مهما تعثّرت في الطريق.

اعتادت الفتاة الكفيفة البالغة من العمر (19 ربيعًا) أن تعتلي القمم في أكثر من جانب، إذ لم تكتفِ بتفوقها الدراسي، بل كانت أيضاً حافظةً لكتاب الله، تتنقّل بين مسابقات التحفيظ والتلاوة، وتثبت أن فقدان البصر لم يكن يومًا عائقًا أمام طموحها. لكن تحت وطأة الحرب تغيّر كل شيء، تغيّر شكل التعليم ومكانه، وتوقّفت المسارات الدراسية بسبب النزوح والقصف وانهيار البنية التعليمية، وكان على داليا أن تصنع طريقاً لإكمال رحلتها وبما يليق بمرادها.

بعيونٍ منطفئة النور، جلست الطالبة أمام شاشة إلكترونية بدلاً من قاعة الامتحان، وفي خيمة مهترئة بدلاً من مقعد الدراسة، تحاول التركيز وسط الضوضاء وأصوات القصف، لتحصد "نتيجةً" تفرح القلب.

امتحانات الثانوية العامة كانت من أهم المحطات التي خاضت فيها تحدياً كبيراً. لقد كانت، حسب رأيها، "اختبارًا للصمود بعد انقطاعٍ طويل عن الدراسة، وفي ظروفٍ تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار والأمان".

بعيونٍ منطفئة النور، جلست الطالبة أمام شاشة إلكترونية بدلاً من قاعة الامتحان، وفي خيمة مهترئة بدلاً من مقعد الدراسة، تحاول التركيز وسط الضوضاء وأصوات القصف، لتحصد "نتيجةً" تفرح القلب.

تعود بذاكرتها إلى قبل اندلاع العدوان بيومٍ واحد، في حديثها مع "شبكة نوى" قائلةً: "في ذلك اليوم جلست في غرفتي الهادئة أراجع دروسي، وحينها كنت في الصف الحادي عشر "فرع العلوم الإنسانية". كنت غارقةً في تحسّس كتبي المطبوعة بلغة "برايل"، أقرؤها بأطراف أصابعي ثم أحفظها عن ظهر قلب".

ظلّت مفعمةً بالنشاط إلى أن حلَّ صباح السابع من أكتوبر، ومنذ ذلك النهار ما عادت الحياة كما ذي قبل، أول تغييرٍ بسيط: لم تأتِ الحافلة التي تقلّها يوميًا من أمام بيتها في حي الشجاعية إلى مدرستها، وبهذا بدأت مرحلة الانقطاع عن الدراسة، وما خطرَ لها يومًا أن يحدث ذلك، وفقاً لكلامها.

محاولة اللحاق بما فات

انقلبت حياة الفتاة رأسًا على عقب في لحظةٍ واحدة، احترقَ بيتُها وتدمّر تماماً جراء قصف الطائرات الإسرائيلية، ومعه احترقت كتبها المطبوعة بلغة "برايل"، ومصحفها الذي كانت تحفظه بلمس أناملها، وبذلك فقدت عالمها الخاص وأضحت نازحةً تبحث عن مأوى وأمان.

ومع النزوح والقصف والدمار، تلاشت أولويةُ الدراسة وكل ما له صلة بالكتب أو الصفوف أو الامتحانات. الجميع يريدون النجاة وتوفير مقومات البقاء فحسب. وبعد أن هدأت الأوضاع نسبيًا، أصبح بإمكان مختلف المراحل الدراسية الانتظام بشكلٍ ما، وتمكنت داليا عندئذٍ من اجتياز الامتحانات بجدارة، رغم كل الصعوبات المحيطة.

 وبعد انتظارٍ طال، تهيّأت الظروف، وبالحد المقبول من سوئها، لعقد امتحانات "الثانوية العامة" التي من المقرر أن تحسم مصيرها، لعامٍ كان من المفترض أنه عنوانٌ للاجتهاد والاستقرار، يتقدم فيه الطلبة وفق إجراءاتٍ مُخطّطٌ لها بعناية ودون انقطاع.

"لو أن الظروف طبيعية كيف كنت ستستعدّين لهذا الحدث؟" تجيب عن سؤال "نوى": "بالتأكيد كنت سأتوتر لما يحمله "التوجيهي" من قلقٍ، وبالتالي سأبذل قصارى جهدي في المذاكرة، وبعد خروجي من قاعة الامتحان سأراجع الأجوبة مع صديقاتي، ثم أنتظر لحظة إعلان النتائج بفارغ الصبر، بينما تحيطني عائلتي بمحبةٍ وثقة أني أبليت بلاء حسناً، ثم سيملأ الفرح بيتنا ككل بيوت الناجحين، ونوزّع الحلوى احتفالًا بالنجاح".

نزوحٌ متكرر، وخيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وحياةٌ جماعية لا تراعي خصوصية إنسان بلا إعاقة، فكيف بحالِ طالبةٍ تعتمد على حاسّة السمع فقط بسبب فقدانها الكلي للبصر.

لكن الواقع جاء مختلفًا تمامًا. نزوحٌ متكرر، وخيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وحياةٌ جماعية لا تراعي خصوصية إنسان بلا إعاقة، فكيف بحالِ طالبةٍ تعتمد على حاسّة السمع فقط بسبب فقدانها الكلي للبصر، ناهيك عن ظروفٍ أخرى، إنترنت متقطّع، وكهرباء لا تتوفر إلا عبر طاقةٍ شمسية محدودة، وغيابٍ شبه كامل لأبسط مقومات الاستقرار، حتى الحد الأدنى من كل شيء بات بالكاد متاحًا.

غير أن عقبةً كبرى أمام داليا جعلت المشهد أسوأ، وتتمثل في المجاعة وما خلّفته من سوء تغذية، الأمر الذي زاد من نوبات هبوط السكر في الدم التي تعاني منها منذ الصغر. ورغم قسوة الظروف، لم يتوانَ والدها عن محاولة تأمين ما تحتاجه، ولو جزءٍ بسيطٍ من السكر يوميًا، حتى وإن اقتصرَ على محلول "الجلوكوز" الذي كانت تتلقاه سابقًا في المستشفى، ليبقيها قادرةً على الصمود.

عائلةٌ داعمة وظروفٌ معقدة

إصرار داليا على النجاح دفعها للبحث عن أي وسيلة تعينها على اجتياز امتحانات الثانوية العامة، وبتميّز لا يرضى بأنصاف الحلول. وما كان ذلك ليتحقق لولا دعم عائلتها؛ إذ ساعدتها عمتها وخالتها في شرح المنهاج ومراجعته، إلى جانب اعتمادها على الكتب الإلكترونية باستخدام برامج "قارئات الشاشة"، وهي تقنيات مخصّصة للمكفوفين تحوّل النصوص المكتوبة إلى صوت مسموع، ما يتيح لها الفهم والحفظ والمراجعة دون الحاجة إلى الكتب المطبوعة بلغة برايل، وبالاعتماد على هذه البرامج، استطاعت إنهاء المنهاج كاملًا مرتين، رغم تعطّل جهاز "الآيباد" الخاص بها أكثر من مرة.

تضيف داليا: "سارعَ أبي إلى إصلاح الآيباد في ذروة الحرب، رغم الغلاء الفاحش في أسعار قطع غيار الأجهزة الإلكترونية، وسرعان ما تلف مرة أخرى، ولم يتمكّن أبي من إصلاحه مجددًا، ما اضطرني للاعتماد على هاتف أمي لمتابعة دراستي".

كانت ظروف العدوان تتحكم بكل شيء، بما في ذلك عقد امتحانات الثانوية العامة، التي أُرجئت أكثر من مرة ما انعكس سلبًا على حالتها النفسية، فزاد توترها واستنزافها الداخلي، كما تقول.

 وتردف حديثها بنبرة فخر: "وجدت نفسي أخيرًا أمام الامتحان المنتظر، في أجواءٍ من الضوضاء حرمتني التركيز، لا سيما أن صوت "قارئ الشاشة" كان يتداخل مع أصوات الفوضى حولي، وإذ بصوت العزائم يعلو".

حانت لحظة إعلان النتائج على ركام غزة ودماء شهدائها؛ لحظةٌ امتزج فيها الترقّب بالانفعال والبكاء. اجتمعت العائلة، والقلوب معلّقة بالأرقام، حتى ظهر المعدّل (95.8) في المئة، ثمرةً لتعبٍ طويل ممزوجٍ بالحزن والفقد والاشتياق، وتحدٍّ لا يعرف اليأس.

إعلان النتائج.. لحظةٌ امتزج فيها الترقّب بالانفعال والبكاء. اجتمعت العائلة، والقلوب معلقة بالدعاء حتى ظهر المعدّل: (95.8) في المئة، ثمرةً لتعبٍ طويل ممزوجٍ بالحزن والفقد والاشتياق.

وتعبّر داليا عن امتنانها العميق لعائلتها التي كانت "سندها الأول"، ولمديرة مدرستها الأستاذة سهير مرتجى، والمرشدة التربوية دعاء بشير، لما قدّموه من حرصٍ واطمئنان ودعمٍ متواصل، دفعها للمواصلة حتى النهاية.

داليا ليست حالةً فردية، بل واحدةً من آلاف الحكايات في قطاع غزة. هنا، لكل إنسانٍ قصته، ولكل طالبٍ معركته وبُطولته الصغيرة، وقد أثبت أهل غزة، مرةً تلو أخرى، أنهم قادرون على انتزاع النجاح من قلب المستحيل، رغم الحرب، ورغم أعتى الظروف.

كاريكاتـــــير