الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ينطق أحمد الشهادتين، في كل مرةٍ يُعيد فيها الكرّة محاولاً التسلّل إلى الداخل المحتل أو ما يُعرف بـ"الخط الأخضر"، غير آبهٍ لما سيلحق به من أذى، في سبيل اقتناصِ فرصةٍ للعمل في البناء؛ كلما سمحت الظروف.
يبلغ أحمد من العمر أربعين سنةً وهو من محافظة نابلس. وقد أمضى العام الأول من حرب غزة عاطلاً عن العمل، ولم يدخر جهداً كي يحظى بفرصة في الضفة الغربية، لكن دون جدوى. وبالتالي؛ سوء الوضع الاقتصادي وحاجة أسرته لمصدر رزقٍ دفعه إلى المجازفة.
يقول أحمد لـ"شبكة نوى": "قبل أذان الفجر أكون أمام جدار العزل العنصري في الرام، مُترقباً اللحظة المناسبة التي لا يتواجد فيها جيشٌ أو شرطة للاحتلال. أتسلق السُلّم وأجتاز الطرف الآخر ثم أتنقل بين الجبال لأدخل القدس، ومنها أتوجه إلى مدينة "تل أبيب"، وأَهون ما في الأمر أنه يكلفني مبلغًا كبيرًا، لكن المُخاطرة التي قد تكلّفني حياتي هي الشقّ الأصعب".
منعت سلطات الاحتلال بعد السابع من أكتوبر دخول نحو 150 ألف عاملٍ فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة، كانوا يحملون تصاريح إقامة.
لقصة أحمد تتمةٌ سنكملها لاحقاً، هذا الشاب واحدٌ من آلاف العمال الذين يلهثون خلفَ أيّ فرصة عملٍ داخل الخط الأخضر- وهو الذي يُطلق على الخط الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967- فيما تشهد أوضاعهم تصعيدًا غير مسبوقٍ في الملاحقات والانتهاكات، ليشملهم العقاب الجماعي.
يخوضُ هؤلاء العمال (الذين نورد قصصهم في هذا التقرير بأسماء مستعارة، خشية الملاحقة)، رحلةً محفوفةً بالكمائن العسكرية، والغاز المُسيّل للدموع، وإطلاق نارٍ مباشر أودى بحياة بعضٍ منهم، وبعضٍ آخر أخذ نصيبه من الإصاباتٍ الخطرة، جراء اعتداءاتٍ بالضرب سواء قبل أو بعد محاولة اجتياز الجدار، وكذلك، لا يكاد يمرّ يومٌ دون إصاباتٍ يتسبب بها السقوط عنه.
وما يحدث للعمال الفلسطينيين بعد إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من السياسات العقابية الممنهجة. إنها ليست إجراءاتٍ أمنية مؤقتة، بل استهدافاً للإنسان وكرامته وحقه في العمل، في انتهاكٍ واضح لمبادئ حقوق الإنسان.

ونشر مركز "الصحافة الاستقصائية والشفافية" الإسرائيلي" (شمومريم)، تحقيقًا موسعًا عن الظروف المأساوية التي يعيشها العمال الفلسطينيون داخل الخط الأخضر منذ أكتوبر 2023، بعد أن ألغت سلطات الاحتلال تصاريحهم ومنعت دخول العمال من الضفة الغربية للعمل، إذ فقدَ أكثر من 500 ألف عامل فلسطيني مصدر رزقهم، وأصبح معظمهم بلا دخل. وبعد أن بقيت الحواجز مغلقة، وأُوصدت في وجوههم كل السبل، لجأ كثيرٌ من العمال إلى التسلّل "غير القانوني" إلى الداخل، أيّ من دون تصاريح.
واستناداً للمعلومات الواردة في التحقيق، فقد منعت سلطات الاحتلال بعد السابع من أكتوبر دخول نحو 150 ألف عاملٍ فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة، كانوا يحملون تصاريح إقامة.
العمل دون تصاريح
انتشرت في الآونة الأخيرة عدة مقاطع فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي، لعمالٍ فلسطينيين مصابين يُنقلون للمستشفيات، كانوا يحاولون دخول "الخط الأخضر". وفي مقاطع أخرى ظهرَ عمالٌ معتقلون يصطّفون في طوابير، مقيّدةٌ أياديهم، ومُعصّبة عيونهم، ويُساقون إلى المجهول. وثمة فيديو كان صادماً، يسخر فيه مستوطنٌ من عاملٍ فلسطيني، علِق بين الأسلاك الشائكة على ارتفاع ثمانية أمتار، عندما كان يهمّ بالقفز عن جدار العزل العنصري في الرام.
علماً أنه في عام 2025، لقي ثمانية عمالٍ فلسطينيين مصرعهم عندما كانوا يجتازون الجدار للعمل في الداخل المحتل. وفي تقرير استقصائي لصحيفة "جروزليم بوست"، ذكر أنه وفقًا لبيانات أُعلن عنها في "لجنة الأمن القومي" في الكنيست، قُدّر أن نحو ستة آلاف فلسطيني دخلوا دخولاً غير قانوني إلى "إسرائيل" بحثًا عن العمل في العام الماضي. وحسب ما أفاد جيش الاحتلال، قُبض على 5300 شخص، أي ما يعادل 88 في المئة منهم، سُجن 800 شخص منهم، ووُجهت اتهامات لـ 340 آخرين.
"قبل السابع من أكتوبر، كان يعمل في الداخل المحتل 240 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية، برواتب تصل شهريًا إلى مليار و350 مليون شيكل".
في حين أكد سعيد عمران، عضو الدائرة الإعلامية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، أنه قبل السابع من أكتوبر، كان يعمل في الداخل المحتل 240 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية، برواتب تصل شهريًا إلى مليار و350 مليون شيكل. وفي لقاء صحفي مع وهبي بدارنة المستشار العُمّالي في الناصرة، لفت إلى أنه في مطلع عام 2026 تبيَّن أن 52 ألف عامل يعملون في الداخل المحتل دون تصاريح.
ومن جهته، حذَّر شاهر سعد، الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين، من السياسة الممنهجة التي تُعرِّض العمال الفلسطينيين لخطر القتل أو الاغتيال، داعياً الاتحادات النقابية الدولية إلى التحرك لملاحقة هذه الجرائم.
ما بين إقدامٍ وخوف
تحدثت "شبكة نوى" مع عددٍ من العمال الذين رفضوا الكشف عن أسمائهم كاملةً، خوفاً من الملاحقة والاعتقال. يخبرنا أحمد الذي افتتحنا التقرير به: "قبل عامٍ تقريبًا أُصبت برصاصة في ساقي، ثم اعتقلني جيش الاحتلال، وربط ساقي التي كانت تنزف بغزارة، ثم احتجزوني عشر ساعات أبرحوني فيها ضرباً وإهانة، وبعدها ألقوا بي عند معبر قلنديا منهكًا لا أستطيع المشي، واتصل المارة بإسعاف الهلال الأحمر الذي نقلني إلى مستشفى رام الله، حيث تلقيت العلاج اللازم".
وبعد أن التأمت جروح أحمد، عادَ للمجازفة مرغمًا، فلا خيارات أمامه. "في كل يومٍ أتوجه للجدار، وأدرك أني قد لا أرجع إلى بيتي مرة أخرى" يقولها بأسف.
المهندس أبو كمال له رأيٌ يختلف عن سابقه، إذ بات يخشى المغامرة، ولم يعد بمقدوره تحمل العواقب. هذا الرجل عملَ في الداخل المحتل منذ خمسة عشر عاماً في "الأشغال العامة"، وكان لديه دومًا تصريح عمل، ولكن بعد السابع من أكتوبر، تغيّر كل شيء، وتحوّل العامل الفلسطيني إلى "هدفٍ أمني مباشر"، حسب تعبيره.
يضيف أبو كمال: "في الأسبوع الثاني من الحرب، توجهتُ للعمل، ففوجئت بإلغاء تصريحي، وكذلك تصاريح عمال آخرين معي، ودون أي إجراءات قانونية واضحة. وبدأ جيش الاحتلال يداهم العمال في أماكن عملهم ويعتقلهم على الحواجز، حتى الذين ليس لديهم أيُ سوابق أمنية".
ويبدي حزنه لفُصله وزملائه تعسفيًا من أعمالهم، ومن دون أي تعويضات أو حقوق، كما أن جزءاً منهم لم يتقاضوا مستحقاتهم عن شهور سابقة.
"هل ستحاول مجدداً؟".. يجيب عن سؤالي دون تردد: "حاولت الحصول على تصريح، وأتابع ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي بشأن السماح للعمال الفلسطينيين بالدخول، وها أنا أنتظر أملاً في تغير الوضع. دَعيني أكون صريحاً: لا أستطيع المغامرة".
للمُخاطرة أثمان
وبدوره، أفادَ عبد الله وهو من قرية قلقيلية، أنه اُعتقل بعد اجتيازه الجدار، وسُجن ثلاثة شهور، ودفع 7 آلاف شيكل غرامةً مالية، ومُنع من دخول "الخط الأخضر" لمدة ثلاث سنوات بقرار من المحكمة.
أما "الطويل" وهو لقب عاملٍ من طولكرم، قال بقهرٍ ممزوج بالحنق: "وصولي إلى مكان عملي بعد اجتياز الجدار، لا يعني أنني أصبحت في مأمن. اضطرّ للبقاء في الداخل المحتل بسبب استحالة التنقل اليومي عبر الجدار، وأجازف بالعودة كل أربعة أسابيع لأوفر النقود لأسرتي ووالدتي المريضة".

ويحكي لنا عن تفاصيل الحياة التي اختارها مع رفاقه مجبَرين: "أنام كلَ ليلةٍ برفقة عمال آخرين في أماكن مؤقتة وغير صحية تنعدم فيها أدنى شروط النظافة، ونكون عرضةً للبرد والمطر والإصابة بالأمراض. نأكل معلبات التونا والمرتديلا والحمص، ويحمل كلُ واحدٍ منا زجاجة ماء لجميع احتياجاته. مأوانا لا يتعدى عريشة من البلاستيك والكرتون أو نبيت في ورش البناء وحتى في العراء بين الأشجار أحيانًا، ونواظب يوميًا على التنقل من مكانٍ لآخر؛ خوفًا من أن تكتشف الشرطة أمرنا".
تواصلنا مع "أبو الناجي" الذي يعمل في الداخل منذ وقت طويل، وهو من إحدى قرى نابلس، وحدّثنا من واقع تجربته: "كل شيءٍ بعد حرب غزة أصبحَ أسوأ، الأجور تدّنت كثيرًا، والبطالة تفشّت أكثر في الضفة الغربية، ما دفعني وأمثالي لهذا الطريق".
"عند اعتقال أي عاملٍ، تصادر الشرطة ما بحوزته من نقود فوراً، تلك التي جمعها بشقّ الأنفس ليعتاش منها، ثم تسجنه وتفرض عليه غرامةً بمبلغٍ وقدره".
وعن المتاعب التي يواجهها العمال في هذا الصدد، يشرح بالقول: "عند اعتقال أي عاملٍ، تصادر الشرطة ما بحوزته من نقود فوراً، تلك التي جمعها بشقّ الأنفس ليعتاش منها، ثم تسجنه وتفرض عليه غرامةً بمبلغٍ وقدره، بينما ربّ العمل "الإسرائيلي" كل ما يهمه ألا ينكشف أمرنا حتى لا تتضرر أعماله، مشترطاً علينا منذ البداية؛ إذا ما اُعتقلنا ألا يرد اسمه في التحقيق، وإلا سينكر صلته بنا".
لقد أصبح الاعتداء على العمال داخل "الخط الأخضر" خبرًا يوميًا عابراً، في حين يستمر تحريض ما يُسمى بوزير الأمن القومي الإسرائيلي "إيتمار بن غفير" عبر تصريحاته التي تتناقلها وسائل الإعلام العبرية، مطالباً قوات الاحتلال بـ"إطلاق النار على أي إرهابي يرونه" وفق وصفه، ويقصد بذلك العمال المُتسلّلين، حتى لو لم يُشكّلوا تهديدًا مباشرًا لهم، والنتيجة في مجملها "لا أحد يُحرّك ساكناً لوقف الانتهاكات بحقهم".
























