شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م18:05 بتوقيت القدس

بات وسيلة أساسية للتنكيل

تجويع الأسرى.. هكذا يُدار "التعذيب" من مطابخ سجون الاحتلال

28 يناير 2026 - 09:56

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عندما اُعتقل الأسيرُ المحرر (ج. ن) بعد اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية، لم تكن المرة الأولى، ولكنها كانت "المرة الأمرّ"، حيث فُوجئ حينها من سوء الوضع فيما يتعلق بالطعام. لقد أُلغي المطبخ العام، وصودرت أدوات الطبخ، وحُلَّت التنظيمات في السجون التي كانت تزودهم بين الحين والآخر بالطعام، وأُغلقت "الكنتينة"، ومُنع الأسرى من إعداد أيّ طعامٍ يرغبون به، واقتصر الأمر على ما يوفره مطبخ السجن.

 بطبيعة الحال، رفضَ الأسرى الذين استعنا بهم في التقرير ذِكر أسمائهم كي لا يُعرّضوا أنفسهم لتهديد ومساءلة الاحتلال الإسرائيلي، الاحتلال الذي لا يتوقف لحظةً عن انتهاج سياسة التجويع ضد الأسرى الفلسطينيين، تاركاً آثارًا جسدية ونفسية كارثية وثّقتها التقارير الحقوقية.

آثار التجويع بدت واضحةً على الأسرى المحررين، وبعضٌ منهم أدلوا بشهاداتهم، ومن أبرزها الهُزال، وفقدان الوزن الحاد في غضون شهور قليلة، وكذلك ظهور أعراض سوء التغذية مثل الدُوار الدائم، والإغماءات المتكررة، إضافة إلى ضعف المناعة الذي ساعد على انتشار أمراض مثل الجرب "السكابيوس"، ما يشير إلى ظروفِ احتجازٍ غير إنسانية ويمثِّل انتهاكًا ممنهجًا لحقوق الإنسان.

وإذا ما نظرنا إلى تقارير منظمتي "بتسيلم" والضمير، نجدها تقرع ناقوس الخطر بخصوص التجويع في السجون الإسرائيلية. الأمر ليس نقصاً في الموارد، بل سياسةَ تعذيبٍ ممنهجة تهدف إلى تحطيم الأسرى جسدياً ونفسياً، وأداةٍ للمساومة أو العقاب الجماعي، تحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023. ففي تقرير " أهلاً بكم في جهنم" وثقت "بتسيلم" ما يحدث في السجون بعد أن أضحت شبكةً من معسكرات التعذيب، يُمثل التجويعُ ركناً أساسياً فيها.

وسبقَ أن أصدرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني بيانًا نهاية عام 2025م، حذَّرا فيه من تجويعٍ ممنهج في سجون ومعسكرات الاحتلال لأكثر من 9300 أسير فلسطيني، حيث يُقدَّم لهم ثلاثُ وجبات يوميًا بكميات ضئيلة، ما أدى إلى هزالٍ شديد ونقصٍ حاد في الأوزان.

وجبات اليوم لا تساوي وجبةً مشبعة

بالعودة إلى الأسير المحرر (ج.ن) يقول لـ"شبكة نوى": "سُجنت عام 2017، وعلى الرغم من سوء الوضع في سجون الاحتلال وقتئذ، لكن الطعام كان آخرَ همنا".

ويتطرق إلى الظروف التي كانت تسود تلك الفترة: "في كل قسمٍ كان هناك مطبخٌ عام تُقدم فيه التنظيمات وجبات الطعام لأسراها، وبحوزة الأسرى أدوات طبخ من "غلاّيات" وقدور وغيرها، وهناك أيضًا ما يُعرف بـ "الكنتينة" حيث يمكن للأسير أن يشتري منها على نفقته الخاصة، أصنافاً كثيرة من المواد الغذائية وعلى رأسها اللحوم، والدواجن، والمعلبات، والشيبس، والمكسرات، والسكاكر. فيما توزع التنظيمات وإدارة السجن الفواكه أسبوعيًا".

"الوجبات المقدمة للأسرى في الوقت الحالي سيئة، على صعيد الجودة والنظافة والكمية وحتى التوقيت. وجبة العشاء تُقدم وقت الغداء، وكمية الواجبة الواحدة لا تكفي".

إلا أن التفاصيل السابقة كلها مُسحت تماماً بعد الحرب الإسرائيلية على غزة التي دامت عامين، حسب تأكيد الأسير، مبيناً: "الوجبات المقدمة للأسرى في الوقت الحالي سيئة، على صعيد الجودة والنظافة والكمية وحتى التوقيت. وجبة العشاء تُقدم وقت الغداء، وكمية الواجبة الواحدة لا تكفي، ولو جمعنا الوجبات الثلاث للأسير لن تساوي وجبةً واحدة مشبعة، لقد فقدت من وزني 30 كيلو جراماً في اعتقالي الأخير جرّاء هذه الظروف".

وعند الاحتجاجٍ على أي مسألة، فإن النتائج، تبعاً لكلامه، تكون على النحو التالي: "عندئذٍ تُصعِّد إدارة القسم، وتمنع الطعام، وننام تلك الليلة جوعى أكثر مما نحن عليه، وإذا اعترضنا على قلة الخبز على سبيل المثال، فليس من المُستبعد أن تُسحب كل الكمية، ونُحرم من الخبز في ذلك اليوم".

 وعلاوة على ما سبق، في كل اقتحام و"قَمعة"- وفق التعبير الدارج- يُتلَف الطعام الموجود في الغرف عن قصد، إما بمصادرته أو سَكبه على الأرض، "بل قد يحدث القمع حتى في أثناء توزيع الوجبات" كما يقول.

صحة الأسيرات تترّدى

 جروح الأسيرة المحررة (ل. س) لا تندمل مهما مر الوقت. مضى عامٌ على خروجها من السجن، لكنها ما زالت تتجرع مرارة تلك الأيام. تحكي لـ"نوى" عن انعكاسات التجويع في سجن الأسيرات بقولها: "من أبرز الانتهاكات التي رأيتها في سجون الاحتلال هو استهداف المعدة الخاوية، في بداية اعتقالي لم أكن أستطيع النوم من شدة الجوع والبرد، بقيتُ قرابة شهر على ذلك حتى تعودت على قلة الأكل".

"بعد إلحاح طويل أجروا لي فحصَ "سكرٍ تراكمي"، فأظهرت النتيجة انخفاضًا حادًا، وحينها وبّختني طبيبة السجن بقولها: "أنتِ تشربين دواءً أكثر من المطلوب".

"إلى أي حدٍ تأثرت صحتك بسبب الجوع؟".. تتذكر كلَ الأعراض التي مرت بها: "أخذ الشعور بالدوار يلازمني، وأحيانًا يهبط السكر عندي لا سيما أنني مصابة بالسكري. وبعد إلحاح طويل أجروا لي فحصَ "سكرٍ تراكمي"، فأظهرت النتيجة انخفاضًا حادًا، وحينها وبّختني طبيبة السجن بقولها: "أنتِ تشربين دواءً أكثر من المطلوب"، استغربتُ جدًا، هم يعطونني الحبوب أسبوعيًا وفقاً لعدد الوجبات، فمن أين لي بالدواء الإضافي لأتناوله ويهبط السكر عندي إلى هذا الحد؟".

تتساءل (ل. س) مستنكرةً تجاهل الطبيبة لمسألة تناول كمياتٍ ضئيلة من الطعام، وتحميلها مسؤولية ما يحدث معها، مشيرةً إلى أن كثيراً من الأسيرات عانينّ الإمساكَ بسبب قلة الطعام، وفي أحسن الأحوال عالجت عيادة السجن الشكاوى الكثيرة بـ"المُلّينات".

قتلٌ بطيء ومتعمد

في ستة شهور فقط من اعتقال الأسير المحرر (أ. و) نقص وزنه 22 كيلو جراماً. وقد أفاد في حديثه لـ "نوى" أن كميات الطعام التي كانت تُلقى للأسرى قليلةً جدًا، ولا يمكن للأسير بأي حالٍ أن يشبع".

 ويضرب لنا بعض الأمثلة:" تكون البندورة تالفة أحيانًا، ومع ذلك نغسلها ونتناولها لأنه لا بديل عنها، وذات مرة وجدنا الحمص فاسدًا ورائحته سيئة، واضطررنا لأكله".

وحول ما يُقدم في وجبات اليوم، يشرح الأسير الذي يعمل صحافياً بحزنٍ بالغ:" نعم الأسرى يُجوّعون، عشر قِطعٍ من الخبز هي حِصة الأسير في اليوم الواحد، إنها الكمية التي يأكلها الشاب عادةً في وجبة واحدة وليس في ثلاث وجبات. علماً أن حصة كل أسير من طعام الإفطار: ملعقة لبن وملعقة مُرّبى، ووجبة العشاء مقدار فنجان قهوة صغير من الطحينة، وبيضةٌ مسلوقة أو ملعقةٌ من الحمص، وأما الغداء فلا يتعدّى مغرفةَ أرز ومغرفة حبوبٍ مطبوخة (حمص، فاصولياء جافة، عدس) وقد تكون غير ناضجة، ودائمًا قليلة الملح، أما الفاكهة فلا تُقدم نهائيًا".

ومن جانبه، ندَّد عبد الله الزغاري رئيس نادي الأسير الفلسطيني، في بيانٍ أصدره مطلع الشهر الجاري، باستمرار الانتهاكات بحق الأسرى ومن ضمنها التجويع. وورد في البيان أن "سلطات الاحتلال الإسرائيلي قررت تجديد حالة الطوارئ في السجون، ما يُشكل غطاءً رسمياً لاستمرار جريمة الإبادة الممنهجة بحق المعتقلين الفلسطينيين، وبما يُعزّز منظومة سياسات وممارسات تهدف إلى القتل البطيء والمتعمد للأسرى".

كاريكاتـــــير