شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:51 بتوقيت القدس

امرأة تحترفُ صنع البدايات.. حكاية من خيمة "تغريد"

12 يناير 2026 - 14:55
تغريد عبد الله
تغريد عبد الله

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن في خيمة تغريد عبد الله ما يوحي بأنها كانت يومًا تملك بيتًا أو حياة مستقرة. كل ما في المكان يشبه ما بعد النهاية: قماش مهترئ، أدوات قليلة، ومساحة ضيقة لا تحمي من البرد ولا من الذكريات.

خلال الإبادة، فقدت تغريد كل شيء تقريبًا؛ بيتها في حي النصر، وبيتًا آخر شمالي القطاع، وأرواحًا عزيزة لا تُعوّض، وتنقلت أكثر من عشرين مرة بين النزوح والانتظار. لم يبقَ معها سوى أربعة أطفال، ويدان لا تعرفان الاستسلام، وروح قررت أن تبدأ من الصفر دون أن تنكسر.

تغريد، موظفة في أحد أفرع البنوك بقطاع غزة، وحاصلة على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، وباحثة في إدارة الأزمات، لكن كل هذه العناوين سقطت فجأة أمام واقع الحرب، حين وجدت نفسها بلا بيت ولا خصوصية ولا أبسط مقومات الأمان.

تقول: "لم يعد لديّ شيء أملكه سوى البدايات، لكنني لم أسمح لليأس أن يتسلل من بابي المقصوف أو يدخل إلى خيمتي البسيطة".

في ذروة الحصار والمجاعة، حين صار الطعام نادرًا ومحدودًا، واجهت تغريد سؤالًا يوميًا قاسيًا: كيف تُشبع أطفالها، وكيف تمنحهم شيئًا يشبه الفرح وسط التجويع؟ بدأت بابتكار وصفات بسيطة من العدس والطحين والعجين، لا لتسكين الجوع فقط، بل لصناعة لحظات دافئة تخفف عنهم ثقل الحرب. كانت تلك الوجبات رسائل صامتة تقول لأطفالها: ما زلنا أحياء، وما زلنا قادرين.

مع الوقت، لم يعد النقص محصورًا في الطعام. الأثاث اختفى، البيوت تحولت إلى ركام، والخصوصية أصبحت رفاهية بعيدة.

التفتت تغريد إلى ما حولها من كراتين فارغة، وعلب معدنية، وبقايا أشياء مشوهة بالقصف. أشياء يراها الآخرون بلا قيمة، رأت فيها إمكانية جديدة. أعادت تدويرها، غيّرت شكلها، وحوّلتها إلى أدوات نافعة وقطع تضيف لونًا إلى حياة غلب عليها رماد الحرب.

لم تكن إعادة التدوير بالنسبة لها حلًا عمليًا فقط، بل فعل مقاومة. تقول: "العدو لا يحاصر المعابر وحدها، بل يحاصر الأفكار. وكل فكرة جديدة هي كسر للحصار".

من هنا، قررت مشاركة تجربتها، فبدأت بتصوير مقاطع قصيرة تحمل أفكارًا إيجابية ورسائل تحفيزية، أولًا لمن حولها، ثم للعامة.

آلاف المتابعين وجدوا في محتواها ما يوقظ الرغبة في الاستمرار.. تعليقات تنتظر الفيديو التالي، ورسائل شكر لأنها أعادت إلى الأذهان صورة المرأة الفلسطينية التي لا تركن إلى البكاء، بل تنهض وتُبدع في وقتٍ امتلأت فيه الشاشات بصور الانكسار. لقد قدّمت تغريد صورة مختلفة: امرأة تبث الأمل من قلب الألم.

لم يكن الطريق سهلًا، فانقطاع الكهرباء والإنترنت كان يؤجل التصوير مرارًا. أحيانًا كانت تغريد تضطر للبقاء خارج الخيمة حتى ساعات متأخرة وفي أوقات خطرة لرفع مقطع واحد.

لم يكن الطريق سهلًا، فانقطاع الكهرباء والإنترنت كان يؤجل التصوير مرارًا، وأحيانًا كانت تضطر للبقاء خارج الخيمة حتى ساعات متأخرة وفي أوقات خطرة لرفع مقطع واحد.

كانت تدرك أن هناك من ينتظر ما تقدمه، وأن توقفها قد يعني خفوت شعلة صغيرة يحتاجها كثيرون.

وإلى جانب صناعة المحتوى، عاشت تغريد قسوة حياة الخيام كاملة: الغسيل يدوي، والطبخ على الحطب، ومحاولات يومية للتوفيق بين احتياجات أطفالها ومتطلبات الحياة، ورسالة تشعرها أنها أصبحت تحمل واجبًا تجاه المجتمع.

المرأة الفلسطينية لم تعرف يومًا رفاهية التوقف، لأن خلفها عائلة كاملة قد تنهار إن فعلت.

تؤمن تغريد أن المرأة الفلسطينية لم تعرف يومًا رفاهية التوقف، لأن خلفها عائلة كاملة قد تنهار إن فعلت، وتحلم اليوم بإطلاق مشروع بيئي يعيد للإنسان الغزي ثقته بقدرته على البقاء، وعلى تحويل الخسارة إلى بداية جديدة.

رسالتها واضحة: "الصمود لا يكون بالبقاء فقط، بل بإعادة بناء المعنى. وفي غزة، ما دام في الإنسان نَفَس، فهناك دومًا فرصة للبدء من جديد".

كاريكاتـــــير