غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كلما سمع الناس محمدًا (اسم مستعار) يتحدث بلهجته المصرية، وهو مصطفٌّ في طوابير الخبز والمياه، انهالت عليه الأسئلة: "إنت إيه اللي جايبك؟ وليه مطلعتش لحد دلوقتي؟ وإيه اللي مقعدك لليوم في غزة؟". أسئلة كانت تنكأ وجعًا مؤجلًا في صدره، وتعيده إلى عامين من الحرب عاشهما بعيدًا عن أبنائه الثلاثة المقيمين في مصر.
يقول بصوت متهدّج: "وحشوني.. نفسي آخدهم في حضني".
في الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، تناقلت وسائل إعلام عبرية ادعاءً يفيد بأن "إسرائيل" تستعد لفتح معبر رفح عقب عودة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو من الولايات المتحدة. خبرٌ انتشر كالنار في الهشيم بين العالقين، وأعاد لمحمد حلم العودة، ولو مؤقتًا، إلى وطنه.
كان محمد يقطع مسافات طويلة حاملًا ما تبقى من أغراضه على ظهره، في ظل صعوبة التنقل وارتفاع تكاليف المواصلات، محاولًا النجاة من قصف لا يهدأ.
جاء محمد إلى قطاع غزة برفقة زوجته قبل الحرب بسبعة أشهر، في زيارة لعائلة الزوجة في منطقة تل الهوى غربي مدينة غزة. كانت قد سبقته بفترة وجيزة، واتفقا على العودة معًا إلى مصر بعد انتهاء الزيارة، التي طالت بسبب تأخر إدراج اسميهما في الكشوفات الداخلية، لكن حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م باغتتهما، وقطعت الطريق أمام كل الاحتمالات.
في بداية الحرب، استضافه أنسباؤه في منزلهم، قبل أن يضطر للنزوح معهم تحت وقع القصف العنيف وتساقط الشظايا، متجهين إلى حي الزيتون شرقي غزة. كانت تلك بداية رحلة نزوح طويلة، تكررت أكثر من خمس مرات بين مناطق مختلفة من القطاع، كان آخرها دير البلح.
يضيف: "النزوح ما كانش سهل أبدًا"، فقد كان يقطع مسافات طويلة حاملًا ما تبقى من أغراضه على ظهره، في ظل صعوبة التنقل وارتفاع تكاليف المواصلات، محاولًا النجاة من قصف لا يهدأ.
ومع كل خبر يتحدث عن فتح المعبر، يعود محمد مسرعًا إلى مكان إقامته المؤقت، ليجهز حقيبته الصغيرة؛ حقيبة لا تتسع إلا لأوجاع الحرب، وحنين أب طال انتظاره أكثر مما يحتمل.

على بعد قصص متشابهة في القسوة، يقف محمود أبو النصر أمام فقدٍ لا يُحتمل. بصوت مثقل بالوجع يقول: "أصعب شعور عشته في الحرب، لما والدتي توفت ومقدرتش أشوفها ولا آخدها في حضني.. إخواتي فتحولي الكاميرا وشفتها وبكيت عليها". لحظة يصفها بأنها كانت أقسى عليه من هدير الدبابات وصوت القصف.
وصل محمود إلى قطاع غزة برفقة زوجته في مارس/آذار 2023م لزيارة عائلتها بعد غياب سنوات، وكانت تلك زيارته الأولى للقطاع.
يصف الشهور الأولى بأنها كانت "جميلة"، قبل أن تقلب الحرب تفاصيل الحياة رأسًا على عقب.
مع اندلاع القصف، توجه إلى معبر رفح محاولًا مغادرة القطاع، وناشد مرارًا السماح له بالخروج، خاصة مع تدهور الحالة الصحية لزوجته الحامل وحاجتها الماسة للعلاج، دون أن يجد استجابة.
"عشنا تحت قصف شديد"، يقول محمود، ويكمل: "أطفالي عاشوا الحرب لأول مرة، كانوا يستيقظون مفزوعين في منتصف الليل، وكنت أضمهم إلى صدري".

ولم تتوقف المعاناة عند ذلك، فقد تعرض المنزل الذي كانوا يقيمون فيه للقصف، ورغم ذلك اضطروا للعيش في بقاياه، حيث تتسرب مياه الشتاء من السقف لتغرق ما تبقى من المكان.
اليوم، يصف محمود حياته بأنها"“سجن كبير"، ينتظر سكانه إذنًا بفتح المعبر، والخروج نحو حياة أقل قسوة.
أما سحر عبد العزيز (46 عامًا)، مصرية متزوجة من فلسطيني وأم لأربع فتيات، فكانت تعتاد السفر إلى مصر لزيارة عائلتها في القاهرة قبل الحرب. ومع تصاعد القصف وشعورها بخطر يهدد حياتها وأسرتها، سارعت إلى تسجيل اسمها وأسماء بناتها الحاملات للجنسية المصرية عبر الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية المصرية، بمساعدة أحد الجيران، غير أن إغلاق معبر رفح حال دون إدراج أسمائهن ضمن قوائم المغادرين.
كانت سحر تعيش في منزلها بحي الزيتون شرقي مدينة غزة، قبل أن يدفعها اقتراب جيش الاحتلال من المنطقة إلى النزوح القسري نحو المنطقة الوسطى، وتحديدًا مخيم النصيرات، بحثًا عن مكان أقل خطرًا.
"أنا وبناتي عشنا الحرب بكل معاناتها.. في الشمال عشنا أصعب أيام حياتنا: جوع وعطش، ومياه ملوثة. كانت بناتي يبكين من الجوع حتى ينمن".
وبصوت يختلط فيه الحزن بالإنهاك تقول: "أنا وبناتي عشنا الحرب بكل معاناتها.. في الشمال عشنا أصعب أيام حياتنا: جوع وعطش، ومياه ملوثة. كانت بناتي يبكين من الجوع حتى ينمن".
وتضيف سحر: "قلبي انخلع من مكانه حين علمت بتدمير منزلي بالكامل، وخسارتي كل ما فيه قبل أن أتمكن من نقله". واليوم، بعد عامين من النزوح والتشريد والجوع، تنتظر فتح معبر رفح لإنقاذ ما تبقى من مستقبل بناتها اللواتي انقطع تعليمهن طوال هذه المدة.
بدورها، تحكي بسمة سليمان (35 عامًا)، مصرية الأصل وأم لخمسة أطفال، فصولًا أخرى من المعاناة. بدأت مأساتها بإصابة زوجها، واستشهاد عائلة والده بالكامل، ثم إصابة نجلها الصغير بشظايا صاروخ في وجهه أثناء محاولته تعبئة المياه على سطح المنزل.
الاحتلال أغلق معبر رفح في مايو/أيار 2024، عقب سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر خلال عملية رفح، بعد تدميره بالكامل.
تقول بسمة: "ذقنا النزوح والجوع.. حياة تشبه الموت"، مضيفة: "أنا أعيش حربًا أخرى داخل الخيمة، مطر وبرد وبهدلة".
ولم تكن معاناة الأطفال أقل قسوة، إذ تحولت طفولتهم إلى بحثٍ يومي عن الحطب، وحمل أوعية المياه، والانتظار في طوابير "التكية" طلبًا للطعام.
مع بداية الحرب، سجل أفراد العائلة أسماءهم لدى وزارة الخارجية المصرية في محاولة لمغادرة القطاع، لكن المحاولات فشلت. وبعد 17 عامًا من الاستقرار في غزة، اتخذت بسمة وعائلتها قرار الرحيل باتجاه السويس حيث يقيم أهلها، على أمل العودة يومًا ما، "حين تعود غزة كما كانت".
يُذكر أن الاحتلال أغلق معبر رفح في مايو/أيار 2024، عقب سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر خلال عملية رفح، بعد تدميره بالكامل.
وفي أحدث التطورات، يواصل رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تعنته بشأن رفض فتح المعبر، مشترطًا عودة جثة الأسير الإسرائيلي الأخير في القطاع ران غويلي، وفق هيئة البث العبرية.
























