غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تستيقظ أمينة قبل أن يكتمل الضوء، لا لأن الصباح يحمل لها وعدًا جديدًا، بل لأن الحصول على الماء الذي يكفي يوم عائلتها صار سباقًا مع الوقت.
تجمع جالونات البلاستيك واحدًا تلو الآخر، وتشدّ على طرف عباءتها، ثم تمضي نحو طابورٍ طويل يتكوّن كل يوم من جديد، نساء وأطفال ورجال يتكدسون حول سيارة المياه، كأنهم يتناوبون على حقٍّ بات نادرًا. تنتظر أمينة ساعاتٍ طويلة، أحيانًا يأتي دورها، وأحيانًا تعود خالية الوفاض، مثقلةً بخيبةٍ أثقل من وزن الجالونات حين تمتلئ. "المهم أن أعود بالماء"، تقول، فبدونه لا تستقيم حياة.

حمل الجالونات المملوءة، والمشي بها لمسافاتٍ طويلة أو الصعود بها درجاتٍ عالية، ليس عملًا يسيرًا على جسد امرأة أنهكته الحرب. ومع ذلك، وجدت النساء أنفسهن يقمن بكل الأدوار دفعةً واحدة، في زمنٍ لا يترك خيارًا آخر.
ما تعيشه أمينة يتكرر في حكايات كثيرات، تشابهت الأوجاع واختلفت الوجوه، نساءٌ كلّهن يمشين في الطريق ذاته، محنيات الظهور، متشحات بالقلق.
تسير فاطمة على قدميها في شارعٍ مكسوٍّ بالركام، تتعثر بالحجارة وتُمسك بتوازنها كي لا تسقط قبل أن تصل. تقف في الطابور، تتقدم خطوةً وتتراجع أخرى، تخوض جدالًا طويلًا لتحظى بملء جردلٍ واحد. تقول: "ليست القصة تعبًا ومشيًا فقط، بل إذلالًا متكررًا. أحيانًا لا يأتي الدور، وأحيانًا يُنتزع منك الحقّ عند اللحظة الأخيرة".
تتذكر فاطمة يومًا وصل فيه الدور أخيرًا. ملأت قنّينتين، وقبل أن تكمل، ارتفع صوتٌ غاضب، شتائم وأوامر، ثم يدٌ ترمي الجرادل بعيدًا. "ممنوع تعبي مي حلوة في الجرادل"، قالها ومضى، تاركًا إياها أمام نظرات الطابور. لحظة قصيرة، لكنها كسرت شيئًا في الداخل لا يُرمَّم بسهولة.
عند أم شادي، تبدأ المعاناة من الطابور ذاته. الزحام، التدافع، غياب النظام، كلمات جارحة تُلقى بلا حساب. تقول: "إن التعب الحقيقي ليس في نقل الماء، بل في الوقوف لساعاتٍ داخل فوضى تُسقط ما تبقى من الاحترام".
أزمة المياه في غزة لم تعد تفصيلًا، بل عنوانًا يوميًا للحياة. مدينة مدمّرة، بنية تحتية شبه معدومة، وناس عادوا من نزوحٍ طويل ليجدوا مصادر الماء بعيدة، أو محاطة بطوابير لا تنتهي. في هذا المشهد، تُرسل العائلات نساءها لتأمين الماء، رحلة يومية تُثقل الأجساد وتكشف مقدار القهر المعيشي الذي صار جزءًا من الروتين.
إيمان، شابة عشرينية، تعيش مع أسرتها المؤلفة من نساء فقط في مأوى نزوح بالطابق الخامس. تعتمد الأسرة عليها في تعبئة الماء. تنزل وتصعد الدرج مرارًا، وغالبًا لا تنجح إلا مرةً واحدة بسبب الازدحام. أحيانًا تعود قبل أن تُكمل، خوفًا من مشاجرةٍ أو فوضى. تقول: "الخوف صار جزءًا من الطريق".

ترى إيمان أن تعبئة الماء أقسى ما حملته النساء في الحرب. آلامٌ مزمنة في الظهر والساقين واليدين، ومسكنات تُؤخذ كي يستمر اليوم. تصف ما يحدث بأنه فوق الطاقة، ولا بديل يُذكر، وكأن الجسد مطالبٌ بأن يتأقلم مهما بلغ الألم.
الأخصائية النفسية سهام اصليح ترى في طوابير المياه عبئًا جديدًا أضيف إلى سلسلة طويلة من العنف والإهمال الذي طال النساء خلال الحرب. "فقدان المعيل، الاستشهاد، الإصابة والبتر، نزوح نساء بمفردهن، كلها عوامل دفعت بهن إلى الواجهة". وفي أحيانٍ أخرى، يُرسل الرجال النساء باعتقاد أن حصولهن على الخدمة أسرع، دون إدراكٍ للكلفة النفسية والجسدية.
توضح اصليح أن الجهد المبذول يفوق القدرة، وأن الاختلاف الجسدي يجعل الإنهاك مضاعفًا، خاصة حين تعود المرأة بلا ماء بعد ساعات انتظار. هذا الفشل المتكرر يُرهق النفس قبل الجسد، حتى قالت بعض النساء صراحة: "لم نعد نشعر بأنوثتنا".
وتؤكد تسجيل حالات تحرش وابتزاز وإساءة لفظية وجسدية في طوابير المياه والمساعدات، وحرمان نساء من التعبئة بسبب موقفٍ أو كلمة. وتدعو إلى تعزيز الدعم النفسي، وتوفير مساحات آمنة تُسمع فيها أصوات النساء. "فالماء هنا ليس فقط حاجةً للحياة، بل مرآةٌ لكرامةٍ تُختبر كل يوم، ونساءٍ يواصلن السير رغم كل شيء".
























