غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تحت سماءٍ مثقلة بغيوم العاصفة، وبين أنقاض فندق "الديرة" المدمّر على شاطئ بحر غزة، تحتمي عشرات العائلات النازحة بجدران طينية متشققة، لا تمتلك من الصلابة سوى ما يكفي لتمنحهم وهمَ الأمان، ولا من الهشاشة إلا ما يكفي لتتحول، مع أول قطرة مطر، إلى فخٍّ قاتل. هنا، لا يفصل الحياة عن الموت سوى سقفٍ ينزف ماءً وطينًا، وجدارٍ ينتظر هبّة ريحٍ أخيرة.
في غرفٍ أرضية حوّلتها الثقوب في الأسقف إلى إسفنجٍ مثقل بالمياه، يروي أحمد بهار، النازح من حي الشجاعية، كيف صار المكان كابوسًا دائمًا. يقول وهو يراقب سقف الغرفة بعينٍ لا تنام: "كلما هطل المطر، أضم أطفالي إلى صدري وأنتظر. لا أعرف إن كان هذا السقف سيصمد أم سينهار فوق رؤوسنا. الطين يثقل، والسقف ينزف، والطابق العلوي مدمّر بالكامل، وأي لحظة قد تكون الأخيرة". كلمات أحمد لا تحمل خوفًا عابرًا، بل قلقًا يوميًا يتكرر مع كل غيمة.
أحمد، الذي فرّ من منزله شرقي الخط الأصفر، لا يملك خيار العودة. هناك، كما يقول، صارت الرصاصة أقرب من رغيف الخبز، والموت أسرع من أي محاولة للحياة. "هربنا من الموت، فوجدناه ينتظرنا هنا، في هذا الخراب"، يختم حديثه، وكأن الرحلة لم تكن فرارًا بقدر ما كانت انتقالًا من خطرٍ مكشوف إلى آخر صامت.

لكن الخطر في فندق الديرة لا يسكن التوقعات وحدها، بل يتجسد في حوادث دامية. كريمة عبد العال، نازحة أخرى، توثق لشبكة "نوى" وقائع انهيارات جزئية كادت أن تحصد أرواحًا.
تقول: "ما نعيشه هنا ليس خطرًا مؤجلًا، بل مأساة دخلت حيّز التنفيذ. خلال المنخفض الأخير، سقط جدار من الطابق العلوي على رأس طفل عمره عشر سنوات كان يلعب في الأسفل، أصيب بجرح عميق احتاج سبعين غرزة". حادثة واحدة كانت كافية لتؤكد أن المكان لا يهدد فقط، بل يهاجم.
ولم يكن ذلك الطفل الضحية الوحيدة. بعد أيام قليلة، انزلق الطفل محمد أبو الكاس من علو طابقين على درجٍ متهالك بسبب الأمطار. تستعيد عبد العال المشهد بصوتٍ يرتجف: "كان وجهه أزرق بعد أن فقد قدرته على التنفس وغاب عن الوعي، وأصيب بكسور في يديه وقدميه وصدره. الطبيب قال إن نجاته معجزة".

قبل الحرب، كان فندق الديرة رمزًا للعراقة والجمال المعماري، تحفة فلسطينية تجمع بين الحجر الرملي والطين وإطلالة بحرية آسرة. أما اليوم، فقد حوّلته حرب الإبادة إلى مصيدة موت. وائل سعد، أحد النازحين في بقايا الطابق العلوي، يشرح طبيعة البناء وخطورته الحالية: "المبنى قديم، ومع سقوط الطبقات التي كانت تعزل السقف والجدران، أصبح مكشوفًا تمامًا. الطين يتشبع بالماء، يثقل، ثم ينفصل، ما يجعل الانهيار مسألة وقت لا أكثر".
يعرف وائل، كما يعرف الجميع، أن الخطر حتمي. "لا نخشى شيئًا بقدر تلك اللحظة التي سينهار فيها السقف فوق رؤوسنا"، يقول، قبل أن يضيف بمرارة: "بقاؤنا هنا ليس خيارًا، بل عجزًا خانقًا. لا مكان آخر نذهب إليه، ولا أحد يستجيب لنداءاتنا لإنقاذ أطفالنا، أو حتى لتوفير خيمة ننتقل إليها".
وخارج أسوار الفندق، لا تبدو الخيام أقل خطرًا. إسراء أبو العيش، شابة فقدت زوجها في قصفٍ شمالي قطاع غزة، تعيش مع طفلتها الرضيعة في خيمة بمحاذاة السور. تقول: "مع أول هطول للمطر، غرقت الخيمة. ابتلت ملابس ابنتي كلها، ولم أجد شيئًا جافًا. بقيت أضمها إلى صدري طوال الليل، أدفئها بأنفاسي وأدعو ألا تمرض".
"لا معيل، ولا مأوى حقيقي. خيمتي تلفت بفعل الرياح، وجدران الفندق تسقط قربنا. طفلان أُصيبا هنا، وأخشى أن يكون الدور على طفلتي".
بعد استشهاد زوجها، لم يبق لإسراء أحد. "لا معيل، ولا مأوى حقيقي. خيمتي تلفت بفعل الرياح، وجدران الفندق تسقط قربنا. طفلان أُصيبا هنا، وأخشى أن يكون الدور على طفلتي". تقول، وكأنها تكتب وصية مؤجلة لطفلة لا تعرف بعد معنى الخوف.
تحت سقفٍ نازفٍ لا يفرّق بين شمسٍ ومنخفض، يفترش النازحون في فندق الديرة جداول لا تجف، ويتكئون على جدرانٍ يكفيها نفسٌ أخير لتتحول إلى حواف قبرٍ جماعي. يحسبون أنفاسهم كأنها انتصارات صغيرة على موتٍ مؤجل، أو أعمار إضافية تُضاف إلى رصيد شقاء كُتب على الفلسطيني، كأنه قدرٌ قديم لا فكاك منه، ولا شفاء لقسوته.
























