شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:51 بتوقيت القدس

غزة ومأساة المفقودين..

حين يُدفن الإنسان "رقمًا".. جثامين بلا ملامح وعائلات بلا دليل!

15 ديسمبر 2025 - 13:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

خرج هيثم أبو خضرة في صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر ولم يعد. مضى ذلك اليوم كما تمضي الكوابيس الثقيلة، وبقيت والدته سعدية منذ تلك اللحظة معلّقة على خبر، على اسم قد يمرّ في قائمة المفقودين، أو إشاعة عابرة تعيد قلبها إلى الانتظار.

كانت تمسك بالأمل كما يُمسك الغريق بقشة، لكنها رحلت شهيدة قبل أن تعرف أن ابنها كان واحدًا من آلاف الأجساد التي ابتلعتها الحرب، ولم يظهر أثرها إلا بعد شهور، في قطاع يواجه واحدة من أعقد قضايا المفقودين في تاريخه الحديث. هكذا، لم يُمنح الانتظار نهاية، بل قُطع بالموت ذاته.

في غزة، صار الحذاء، أو قطعة قماش، أو سنّ مكسور، هويةً كاملة، وصار التعرف على الموتى رحلة قاسية لا تقل وجعًا عن الفقد نفسه.

عندما وصلت دفعات جديدة من الجثامين إلى مستشفى ناصر، كان ماجد، شقيق هيثم، يقف بين عشرات العائلات التي تُقلّب الصناديق السوداء، تبحث في تفاصيل مكسّرة عن ملامح أحبّتها. لم يتعرف على وجه شقيقه، ولا على جسده، لكن الحذاء كان العلامة الوحيدة التي أعادت له اليقين.

في غزة، صار الحذاء، أو قطعة قماش، أو سنّ مكسور، هويةً كاملة، وصار التعرف على الموتى رحلة قاسية لا تقل وجعًا عن الفقد نفسه.

هذا المشهد لم يكن استثناءً؛ فقد تكرر مئات المرات. معظم الجثث التي وصلت كانت مشوّهة أو متفحمة أو بلا ملامح، ضمن أكثر من 315 جثمانًا جرى تسليمها خلال الشهور الماضية.

يقول محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني، في حديث خاص لـ"نوى": "إن الجثامين وصلت في وضع صعب للغاية، ولم تحمل سوى أرقام، ما جعل عملية التعرف عليها شديدة التعقيد، ولا تتم إلا بوجود دليل واضح".

ويشرح أن البروتوكول المعمول به يشمل توثيق الجثامين من الجهات المختصة، ثم إرسال الصور إلى العائلات علّ أحدهم يجد ما يقوده إلى يقين مؤلم لكنه ضروري.

الجثامين التي لا يتعرف عليها أحد تُمنح أسبوعًا كاملًا، قبل أن تُدفن في مقبرة جماعية في دير البلح، مع ترميز يتيح العودة إليها لاحقًا. تُؤخذ عينات "للزمن" -وفق بصل- انتظارًا لإمكانية فحوصات جنائية مستقبلية. لكن هذا الانتظار نفسه يختزن قسوة مضاعفة؛ فغياب أجهزة فحص الحمض النووي، ورفض إدخالها، يحوّل المجهولين إلى أرقام مؤجلة، ويجعل العدالة مؤجلة معها.

ويوضح بصل أن كثيرًا من الجثامين تحمل آثار تعذيب وتنكيل وتقييد، ما يزيد من فداحة المشهد وصعوبة التعامل الطبي والإنساني معه. ومع كل ذلك، لم يتمكن الطب الشرعي من التعرف إلا على نحو 90 شهيدًا، فيما وُوري أكثر من 180 جثمانًا مجهول الهوية في مقابر جماعية، كان آخرها يضم 38 شهيدًا بلا أسماء، وكأن المدينة لم تتسع حتى لذكرهم.

قصة هيثم ليست وحيدة. فمنذ السابع من أكتوبر، أُدرج أكثر من 11 ألف فلسطيني في قوائم المفقودين، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن العدد قد يصل إلى 38 ألفًا.

زوجة عبد الرحيم أبو أمونة، إسلام، تخبرنا أن أكثر ما أثقل قلبها لم يكن موته، بل فكرة أن يُدفن بلا اسم. كانت حاملًا في شهرها الرابع حين فقدته، ولم تتعرف عليه إلا من أسنانه. وخلال شهور الانتظار، أنجبت طفلتهما، ليصبح أبًا لأربعة أطفال في غيابٍ أبدي.

في غزة، لا تُروى الحكايات عن الموت فقط، بل عن الانتظار الطويل، عن أسماء لم تُحسم، وعن عائلات تعيش بين يقين ناقص وأمل مؤلم. قد تعرف بعض العائلات مصير أبنائها، لكن عشرات الآلاف ما زالوا يكتبون، بصمتهم، فصلًا مفتوحًا من مأساة لم تجد نهايتها بعد.

كاريكاتـــــير