شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2026م01:28 بتوقيت القدس

خيمةٌ على ناصية طريق و"كرامةٌ" سُحِقت تحت المطر !

14 ديسمبر 2025 - 11:23

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعينين عاجزتين، تتنقّل نسرين أبو سعادة بنظراتها بين زوايا خيمتها الغارقة وأطفالها الستة الذين يرتجفون من البرد؛ لا سقف يحميهم، ولا جدران تستر هشاشتهم، سوى قماش مهترئ ينهار مع أول قطرة مطر.

منذ ثمانية أشهر، تعيش نسرين وعائلتها على ناصية أحد شوارع خانيونس، بعد نزوحهم الأخير من بلدة بني سهيلا، حين ضاقت بهم الأرض ولم يعد لهم مكان يلجؤون إليه، سوى هذا الهامش القاسي من الشارع والحياة.

بصوتٍ أثقله التعب، تقول لـ"نوى": "خرجنا بلا شيء، لم تكن لدينا حتى خيمة. أربع بطاطين رفعناها على قطع خشب مهترئة، كنا ننام تحتها أنا وزوجي وأطفالي، إلى أن رقّ قلب أحد الجيران ومنحنا خيمته القديمة. ظننا أنها نجاة، لكنها مع أول اختبار لهطول للأمطار، سقطت فوق رؤوسنا، وغرقنا في مياه المطر ووحل الشارع.".

وتزيد بحرقة: "لم يتبق لنا ملبس ولا فراش ولا غطاء لم يبلله المطر، وكلما حاولنا نصب الخيمة من جديد، كانت تنهار علينا مرة أخرى، وكأن الخيمة نفسها أعلنت عجزها عن الصمود أكثر".

ومع انقضاء المنخفض وعودة الشمس، تبدأ العائلة فصلًا آخر من المعاناة؛ نشر الملابس والفراش المبلل، ومحاولة انتزاع شيء من الدفء قبل قدوم غيمة جديدة، في سباق يومي مع الزمن والطقس، لا يربح فيه أحد.

تعيش نسرين وعائلتها بين الغرق والانتظار. تقول: "نغرق مع كل مطر يهطل، ثم ننتظر الشمس لننقذ ما تبقى. أصبحنا نخاف من الغيوم، ومن أي خبر عن منخفض قادم. المطر الذي كنا نفرح به في السابق، صار اليوم مصدر رعب وذل"، فحتى الفرح البسيط صار ترفًا مؤجلًا -على حد وصفها.

نزحت نسرين من بني سهيلا ودُمّر منزلها، كما دُمّرت غالبية منازل محافظة خانيونس. ورغم الركام، وانعدام مظاهر الحياة شرقي المدينة، إلا أن أمنيتها الأولى تبقى العودة إليه، لا بحثًا عن مأوى بقدر ما هو بحث عن كرامة تكسّرت في رحلة النزوح الطويلة.

تقول بحسرة: "هناك، كانت حياتنا بسيطة، لكننا كنا نعيش بكرامة نفتقدها اليوم"، وكأن البساطة وحدها كانت كافية لصون الإنسان.

ولا تتوقف المأساة عند حدود الخيمة. فطفل نسرين، الذي وُلد قبل الحرب بثلاثة أشهر، يعاني من عيبٍ خَلقي، إذ وُلد دون فتحة شرج، ما اضطر الأطباء إلى فتح جزء من بطنه للتبرز. خضع لعمليتين جراحيتين، ولا يزال ينتظر وفودًا طبية لاستكمال علاجه، في ظروف صحية قاسية لا تحتمل التأجيل، بينما الزمن يمضي بلا رحمة.

ويزيد من مشاعر القهر التي تعيشها السيدة غياب اهتمام أي من المؤسسات المختصة بالأطفال، التي يُفترض بها تقديم الدعم من حليب وحفاظات. تقول: "رغم مرض طفلي وحاجته المستمرة للحليب والحفاظات، لم أحصل على أي مساعدة، وأُجبرت على استخدام القماش من ملابسنا القليلة أصلًا بسبب النزوح"، لتتحول الحاجة إلى معركة يومية مع العوز.

ومنذ نزوحها، تحاول العائلة التسجيل لدى المدارس للحصول على المساعدات، إلا أن طلبها قوبل بالرفض بحجة أن التسجيل يقتصر على المقيمين داخل المدارس، ما حرمهم من أي دعم طوال فترة نزوحهم الأخيرة، باستثناء مساعدة وحيدة من اللجنة المصرية مؤخرًا، وفق قولها، وكأن النجاة مشروطة بالمكان لا بالحاجة.

طفل نسرين خضع لعمليتين جراحيتين، ولا يزال ينتظر وفودًا طبية لاستكمال علاجه، في ظروف صحية قاسية لا تحتمل التأجيل.

تتساءل نسرين بمرارة: "أين حقي كمواطنة في المساعدات التي يُفترض أن تكون مكفولة لكل إنسان في غزة؟ وأين الجهات التي طرقنا أبوابها وسجلنا بياناتنا لديها، ولم نجد منها أي استجابة؟"، أسئلة معلّقة في هواء الخيمة، بلا إجابة.

بين خيمةٍ لا تقي من المطر، وطفلٍ ينتظر العلاج، وأطفال آخرين يرتجفون من البرد، لا تطلب نسرين الكثير؛ كل ما تتمناه أن يتمّ الله شفاء طفلها، وأن تجد خيمة تليق بالبشر، تحفظها وعائلتها من المطر، وتحمي ما تبقى من كرامة. سؤالها الأخير يظل مفتوحًا: هل هذا كثير؟

كاريكاتـــــير