غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان الصوت أوّل ما غاب. ليس صوت القصف ولا صفير الصواريخ، بل ذلك النداء الدافئ الذي كان يوقظ علي جاد الله كل صباح: "انتبه… لا تتأخر يا عليّ". صوت والده الذي ظلّ يرافقه في ذاكرته منذ عامين؛ الصوت ذاته الذي كان يتمنى أن يسمعه لحظة إعلان فوزه بجائزة، ليخبره بأنه فخورٌ به، وبأنه التقط للعالم ما حاولت الحرب طمسه.
اليوم، يقف المصوّر الصحفي الذي وثّق الإبادة بوعيٍ يقظ وجرحٍ مفتوح، محاصرًا بصورٍ تشبهه وتشبه فَقْدَه.

علي جاد الله (36 عامًا)، أول مصوّر صحفي فلسطيني يفوز بالجائزة الكبرى للثقافة والفنون الرئاسية في تركيا، ويضع اسمه وصوره في واجهات الصحف العالمية، وفي وكالة الأناضول التي يعمل معها.
ورغم توالي الجوائز، يبقى صوته الداخلي متشبثًا بما فقده. يقول بنبرة يمتزج فيها الفخر بالغضب: "كلما صعدت منصة تكريم، يداهمني المشهد الأول للضحايا تحت القصف.. أصواتهم، الغبار، صعوبة أن تلتقط صورة دون أن يهرب قلبك إلى مكان آخر. التكريم يبهج، لكن فقد العائلة، وإغلاق المعابر، وظلم الطريق المؤدي إليهم.. كل ذلك يعكر الفرح".
نال جاد الله واحدة من أهم جوائز التصوير الصحفي في العالم لعام 2025م، إضافة إلى جائزة فئة "القصة المصوّرة"، وجائزة "صورة العام" في حفل "جوائز سيينا الدولية" لعامي 2024 و2025.

خمس عشرة سنة من الخبرة اختُزلت في لحظة واحدة أمام عدسته، تلك اللحظة التي يلتقي فيها الضوء بدمٍ ما زال دافئًا.
يتوقف قليلًا، ثم يقول بوجع ثقيل: "كنت ألتقط التفاصيل.. صرخة طفلٍ يجرّ قدمه، امرأة تبحث عن ابنها، الغبار الذي ينهض من قلب الركام. كنت أحمل المدينة على ظهري، أقترب من الضحايا كأنني أعتذر لهم، وأمنحهم لحظة كرامة حاولت الحرب انتزاعها".
ظهرت صوره ضمن أفضل 10 و100 صورة في العام في مؤسسات عالمية مثل "تايم"، "يو إس نيوز"، "ذا أتلانتيك"، "سي إن إن"، وتصدّرت أغلفة "تايم"، و"الغارديان"، و"التايمز"، لكن كانت خلف كل غلافٍ صورة أخرى لا يراها أحد: وجهه حين ينحني على جسدٍ بلا نبض، أو يركض بين دخانٍ كثيف، أو يغيّب عدسته قليلًا ليمسح دمعة لا يُسمح لها بالسقوط.

عن أصعب المعارك التي وثّقها، يقول: "غطيّت الحرب كإنسان قبل أن أكون مصوّرًا. كنت أبًا يشتاق لعناق أطفاله، وأوازن بين المهنة والإنسانية. حملت الضحايا، وحبست الدموع كي لا ترتجف يدي. لا وقت للراحة.. ولا منطقة آمنة. الحقيقة بحاجة لمن يطاردها حتى آخر نبضة".
ومن بين آلاف الصور، تتصدر صورةٌ واحدة المشهد العالمي: سيدة خرجت من قلب الركام، يلفها دخان، تركض والأرض ما زالت تهتز. تحوّلت الصورة إلى أيقونة للإبادة. يقول جاد الله: "كنت قريبًا من المكان. سمعت الانفجار وركضت. وصلت قبل سيارات الإسعاف. وفي الثواني الأولى، وجدت تلك السيدة تصنع نهوضًا يشبهنا جميعًا.. صورة التقطتها بقلبٍ كان يحاول أن يتحمل، ونالت جائزة عالمية".

لكن الرجل الذي وثّق موت الآخرين، أصبح ضحية هو الآخر. فقد والده وأشقاءه وشقيقته، وأصيبت والدته بجروح خطيرة، وهُدم منزله. يقول بصوت متحشرج: "لم أجد وقتًا لوداعهم. لم أستوعب الصدمة. لكن هذا الفقد جعلني أكثر صلابة.. لم أعد أوثق حربًا فقط، بل أوثق ما حدث لي وللآلاف ممن يشبهونني".
عامان من الإبادة تركا على صفحته في "إنستغرام" 1.4 مليون متابع يشهدون على صور من قلب الجوع، والخيام، والدمار، وقصف الأبراج، ووجوه النازحين. يعلّق: "اخترت البقاء. هذه الحكاية لا تحتاج ناقلًا، بل شاهدًا عاشها. العدسة وحدها لم تعد تكفي. بقائي كان شكلًا من المقاومة.. الرحيل يعني أن أترك المدينة التي أنينُها بات يشبه أنفاسي".
"غزّة كانت حياة كاملة.. رائحة البحر حين يخنقه الدخان، الأزقة التي كبرت فيها، ضحكات الأطفال التي انقطعت فجأة، أبواب البيوت المفتوحة تنتظر أصحابها بلا عودة".
وعن ذاكرة غزّة التي ترافقه كظلٍ لا يزول، يقول لـ"نوى": "غزّة كانت حياة كاملة.. رائحة البحر حين يخنقه الدخان، الأزقة التي كبرت فيها، ضحكات الأطفال التي انقطعت فجأة، أبواب البيوت المفتوحة تنتظر أصحابها بلا عودة".
يضع يده على رأسه، كمن يحاول أن يمسك آخر خيط من صبره، ويهمس: "غزّة لم تُقتل مرة واحدة.. كانت تُقتل كل ساعة. وأنا كنت أرى موتها معلقًا في الهواء، وفي التراب، وفي عيون الناجين".
























