شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:50 بتوقيت القدس

حشرات غريبة وقوارض بسلوكيات غير مألوفة..

شمال غزة المُمزّق.. غزو بيئي خرَجَ عن السيطرة!

12 نوفمبر 2025 - 12:57

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تشهد مناطق شمالي قطاع غزة كارثة بيئية تتفاقم يومًا بعد يوم، بعد أن غزت الحشرات والقوارض، بأنواعٍ وسلوكيات غير مألوفة، الأحياء المدمّرة، وصارت روائح الموت المنبعثة من تحت الركام جزءًا من الهواء اليومي.

هناك، حيث تحللت الجثث العالقة بين الخراب عقب الحرب الإسرائيلية، نشأت بيئة ملوثة ومضطربة، تشبه فراغًا بريًا خرج عن السيطرة، لا يصلح لحياة البشر، ويهدد صحتهم في ظل غياب شبه كامل للخدمات البلدية والطبية، وصعوبة الوصول إلى الأماكن التي تحوّلت إلى أطلال.

يقول عدد من سكان المنطقة -التقتهم نوى بشكل متفرق- إنهم يعيشون أيامًا قاسية فوق ما تحمّلوه من فقدان المنازل والأقارب، إذ وجدوا أنفسهم محاصرين بجيوش من الحشرات اللاسعة.

تحكي رحمة سالم من بيت لاهيا مثلًا، أنها عادت إلى منطقتها على أمل أن تبدأ رحلة إعادة إعمار منزلها، لكنها اصطدمت بواقع لا يشبه أي شيء يمكن احتماله. وتقول: "ما إن دخلت المكان حتى هجمت عليّ الحشرات من كل الأنواع، لم أرَ في حياتي مثل هذا المنظر، الوضع لا يُحتمل". كان الخراب وحده كافيًا ليحاصر القلب، فكيف إذا حمل معه هذا السيل من المخلوقات التي تتكاثر فوق الجراح.

وفي مخيم جباليا، حيث صار الدمار لغة المكان، يقول محمد أبو سمرة: "إن ما تبقّى من المدينة تحوّل إلى أكوام من الركام، والأهالي الذين عادوا بعد الهدنة الأولى بحثًا عن بصيص حياة، وجدوا أنفسهم في مواجهة مشهد لا يُعاش. يوضح أن بقايا الجثث تحت الأنقاض تسببت في انتشار حشرات وزواحف لم تكن مألوفة مطلقًا، إضافة إلى فئران باتت بأحجام وسلوكيات غريبة، تغذت على ما لا يجب أن يكون غذاءً لأي كائن. "العودة أصبحت شبه مستحيلة"، يقولها بمرارة من يعرف أن البيت لم يعد بيتًا، وأن الحي لم يعد حيًا.

"لم نعد نحتمل الوضع. روائح كريهة في كل مكان. مكب نفايات ينتشر حوله كل شيء.. الأطفال يعانون من حكة وأمراض جلدية، والجميع في دوامة صحية لا تنتهي".

أما الحاج أبو محمود فزاد على المشهد من وجعه: "لم نعد نحتمل الوضع. روائح كريهة في كل مكان. مكب نفايات ينتشر حوله كل شيء.. الأطفال يعانون من حكة وأمراض جلدية، والجميع في دوامة صحية لا تنتهي".

من جانبه، يؤكد سعدي الدبور، مدير العلاقات العامة في بلدية جباليا، أن عامين من الحرب دمّرا جوهر البيئة في شمال القطاع. تراكم النفايات والركام في الشوارع والمناطق السكنية خلق أرضًا خصبة للحشرات والزواحف والقوارض.

ويشير إلى ظهور أنواع جديدة لم تشهدها المنطقة من قبل، بسبب الدمار الكبير، موضحًا أن البلديات غير قادرة على تنفيذ أي أعمال مكافحة بسبب انعدام المعدات والمواد اللازمة، ما يجعل الكارثة تسير نحو الأسوأ.

"الاحتلال يقوم بنقل نفايات من مناطق الداخل المحتل إلى غزة، مما يزيد من حجم المخاطر، بينما يعاني السكان من نقص شديد في المياه".

ويضيف الدبور: "الاحتلال يقوم بنقل نفايات من مناطق الداخل المحتل إلى غزة، مما يزيد من حجم المخاطر، بينما يعاني السكان من نقص شديد في المياه. قبل الحرب، كان معدل حصول الفرد في جباليا يقارب 110 لترات يوميًا، واليوم انخفض بشكل مخيف، وهو ما يزيد انتشار الحشرات ويضعف النظافة العامة".

وتطالب البلدية المؤسسات الدولية والمحلية بالتدخل العاجل لإدخال المعدات الضرورية لمكافحة الآفات، وإزالة الركام، وتطهير الأراضي والشوارع من المكاره الصحية التي تهدد حياة الناس.

من جانبه، يوضح البروفيسور بسام الزين، المختص بعلم الأحياء والطفيليات الطبية، أن مناطق النزاعات تشهد عادة تفشيًا متزايدًا للحشرات والقوارض مثل القراد والقمل والبعوض والبرغش والذباب والفئران. ويعود ذلك إلى تراكم الجثث ومخلفات الحرب، وانهيار خدمات الصرف والنظافة العامة، مما يخلق بيئات مثالية لتكاثر هذه الكائنات.

"تحلل الجثث والمواد العضوية المبعثرة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية والصرف الصحي وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تسرّع انتشار الحشرات".

ويشرح أن هذه المخلوقات تلعب دورًا طبيعيًا في الأنظمة البيئية، لكن الحروب تقلب هذا الدور رأسًا على عقب، فتحوله إلى خطر صحي حقيقي.

ويشير الزين إلى أن تحلل الجثث والمواد العضوية المبعثرة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية والصرف الصحي وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تسرّع انتشار الحشرات. وينبّه إلى ما تسببه من أمراض متعددة: فالبعوض ينقل الملاريا وحمى الضنك وأنواعًا أخرى من الحمى، والقراد ينقل أمراضًا طفيلية وبكتيرية، والفئران تنقل الطاعون والتيفوس وعدوى السالمونيلا، فيما يسبب القمل التهابات جلدية وحكة شديدة. ويؤكد أن التأثير يتجاوز الجانب الصحي ليضرب النفسي والاجتماعي، ويخلق حالة قلق وانهيار في جودة الحياة، فضلًا عن خسائر اقتصادية وتلوث في التربة والمياه واختلال في السلاسل الغذائية.

وبينما تستمر معاناة أهالي شمال غزة فوق أنقاض منازلهم، تبقى الحشرات والروائح الكريهة شاهدًا صامتًا على ما خلّفته الحرب من مآسٍ. ومع غياب الحلول السريعة، وانتظار الجهات الطبية أن تتمكن من الوصول إلى المناطق المنكوبة، يقف السكان في مواجهة خطر جديد لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يهدد حياتهم كل يوم. يواصل الأهالي صمودهم، يرقبون الأفق بقلق، لعل يدًا تمتد قبل أن ينهار ما تبقّى من قدرتهم على الاحتمال.

كاريكاتـــــير