الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يجلس التاجر محمد عبد الله في محل الجزارة الخاص به بمدينة سلفيت، ويحدّق في دفتر حساباته المكدّس. أمامه شيكات غير مغطّاة، وخلفه ثلاجة لحوم شبه فارغة.
يقول متنهّدًا: "كل يوم نذهب إلى البنك. نحاول إيداع الدولارات وتحويلها إلى شيكل، لكننا نخسر كثيرًا بسبب فرق الصرف".
يؤكد ما يمر به عبد الله، وكافة التجار في الضفة الغربية، نقيب أصحاب الملاحم، عمر النباني، "حيث طالت أزمة فائص الشيكل كل من يعمل في القطاع التجاري، لا سيما تجار المواشي، الذين يواجهون مشاكل يومية في تغطية الشيكات والتحويلات" يقول.
"تحديد سقف الإيداع بـ(5,000 شيكل)، لا يتناسب مع طبيعة السوق، خاصة وأن سعر العجل الواحد يتراوح حاليًا بين 10 و12 ألف شيكل".
تحدّث النباني لـ"نوى"، عن خسارة كبيرة، يُمنى بها شخصيًا كلما رغب بإيداع الدولار. يضيف: "في كل 10 آلاف شيكل نخسر ما يصل إلى 1500 شيكل من أجل تحويلها لدولار"، مشيرًا إلى أن تحديد سقف الإيداع بـ(5,000 شيكل)، لا يتناسب مع طبيعة السوق، خاصة وأن سعر العجل الواحد يتراوح حاليًا بين 10 و12 ألف شيكل.
وتفاقمت الأزمة المالية في الضفة الغربية منذ عدة أشهر، لتُزعزع بنية النظام النقدي الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال، وسط هشاشة داخلية تكشّفت بقوة في ظل تصاعد القيود الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

وتعيش الأسواق المالية الفلسطينية واحدة من أعقد أزماتها منذ سنوات، حيث تتكدّس كميات ضخمة من عملة الشيكل الإسرائيلي داخل البنوك المحلية، ما أثّر بشكل مباشر على قدرة المصارف على تأدية دورها المالي، وعمّق التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني.
يمكن شرح الأزمة باختصار: في ظل شح الدولار في البنوك الفلسطينية، والفائض الكبير في عملة الشيكل، بات التجار والمواطنون يلجؤون إلى "سوقٍ سوداء" حديثة النشأة في الضفة الغربية، بحيث يحولون الشيكل المتوفر لديهم إلى دولار بسعر أعلى من سعر صرفه الحقيقي بمبالغ ليست بسيطة، من أجل إيداعها بعملة الدولار في البنوك. هذا ما تسبب بخسائر كبيرة، تشبه التي تحدث عنها نقيب أصحاب الملاحم أعلاه.
تعود جذور الأزمة إلى اتفاقية باريس الاقتصادية، الموقعة عام 1994م، التي أرست علاقة غير متكافئة بين الطرفين، وجعلت من "الشيكل" العملة الرئيسة في الأراضي الفلسطينية.
وتعود جذور الأزمة إلى اتفاقية باريس الاقتصادية، الموقعة عام 1994م، التي أرست علاقة غير متكافئة بين الطرفين، وجعلت من "الشيكل" العملة الرئيسة في الأراضي الفلسطينية، دون أن تمنح الفلسطينيين أدوات سيادية لإدارة سياستهم النقدية.
في جوهر هذه الاتفاقية، حافظ الاحتلال على سيطرته على التحويلات النقدية، مع صلاحية كاملة للبنك المركزي الإسرائيلي لرفض شحنات تُصنّف "خارج أطر التجارة النظامية". كما تُحصّل "إسرائيل" الضرائب على الواردات وتحوّلها عبر "نظام المقاصة"، الأمر الذي يساعد على ضخ الشيكل باستمرار إلى السوق الفلسطينية دون وجود قنوات مصرفية فعالة لإعادة تدويره.
وفق سلطة النقد الفلسطينية، فالشيكل يشكّل العمود الفقري للمعاملات اليومية، لا سيما في ظل اعتماد السوق بنسبة (85%) على الصادرات الإسرائيلية، و(55%) على وارداتها.
يبلغ حجم التعاملات المصرفية بين الجانبين نحو 50 مليار شيكل سنويًا، ما يفاقم الضغوط مع فرض "سقوف مالية" إسرائيلية تعيق المصارف عن شحن فائض الشيكل.
ويبلغ حجم التعاملات المصرفية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي نحو 50 مليار شيكل سنويًا، ما يفاقم الضغوط مع فرض "سقوف مالية" إسرائيلية تعيق المصارف الفلسطينية عن شحن فائض الشيكل.
وفي ردٍ خاص على أسئلة أرسلتها لها "نوى"، أكدت سلطة النقد أنها تبذل جهودًا حثيثة للتواصل مع البنك المركزي الإسرائيلي والجهات الدولية؛ لتوضيح تداعيات استمرار هذه القيود، التي تعيق استقرار النظام المالي وتشل قدرة البنوك على تقديم التسهيلات الائتمانية.
تُطمئن سلطة النقد المواطنين بأن ودائعهم آمنة، مشيرة إلى أن الجهاز المصرفي يمتلك موجودات تُقدّر بـ25 مليار دولار، منها أكثر من 20 مليار دولار على شكل ودائع.
وأشارت إلى إجراءات احترازية، من بينها "تحديد سقف الإيداعات النقدية للأفراد دون 5,000 شيكل، بهدف توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، وتوفير أرصدة للشيكات، وتغذية الحسابات البنكية، وتقليص التعامل بالنقد الورقي".
ورغم حجم الأزمة، تُطمئن سلطة النقد المواطنين بأن ودائعهم آمنة، مشيرة إلى أن الجهاز المصرفي يمتلك موجودات تُقدّر بـ25 مليار دولار، منها أكثر من 20 مليار دولار على شكل ودائع. "إلا أن ذلك لا يمنع من التأثيرات التشغيلية الواضحة التي خلّفها تكدّس الشيكل، من صعوبة الإقراض إلى ارتفاع تكاليف التخزين والتأمين".
وترى الصحفية تحرير بني صخر، من جمعية البنوك الفلسطينية، أن الأزمة خلقت إرباكًا واسعًا في تعاملات البنوك مع نظيرتها الإسرائيلية، وسبّبت تعطلًا في التحويلات والتمويل التجاري.

ورغم أن القطاع المصرفي ما يزال يتمتع بملاءة مالية مرتفعة وسيولة قوية وفقًا للمعايير الدولية، فإن التحديات تزداد مع تعقيد إجراءات الشحن النقدي، والتكاليف المرتفعة المرتبطة به.
وتظهر الأرقام الصادرة عن الجمعية أن إجمالي الموجودات بلغ نحو 23.5 مليار دولار حتى الربع الأول من عام 2025م، بينما بلغت الودائع البنكية نحو 19.2 مليار دولار، في حين سجّل حجم التسهيلات الائتمانية تراجعًا طفيفًا بنسبة 0.2%، وارتفعت معدلات تعثّر القروض إلى (5.1%) بنهاية 2024م.
الصحفي الاقتصادي أيهم أبو غوش، وصف في حديثه لـ"نوى" الأزمة الحالية بـ"غير الطارئة"، بل بـ"الهيكلية، والمتجددة" بفعل بنود اتفاقية باريس، التي أبقت مفتاح النظام النقدي الفلسطيني بيد الاحتلال.
"التحديات لا تقتصر على القيود الإسرائيلية، بل تشمل أيضًا هشاشة البنية الداخلية، وضعف البنية التحتية للدفع الإلكتروني، ما يحدّ من قدرة السوق على التحوّل نحو أدوات رقمية".
ويشير أبو غوش إلى أن التحديات لا تقتصر على القيود الإسرائيلية، بل تشمل أيضًا هشاشة البنية الداخلية، وضعف البنية التحتية للدفع الإلكتروني، ما يحدّ من قدرة السوق على التحوّل نحو أدوات رقمية تعوّض الاعتماد على النقد الورقي.
ويضيف: "التصعيد العسكري الأخير أدى إلى اقتطاعات من أموال المقاصة، ومنع دخول العمال الفلسطينيين إلى مناطق عملهم، وتعطيل النشاط الاقتصادي في مناطق عدة، إلى جانب تهديدات إسرائيلية بقطع العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية، مما فاقم الأزمة وزاد من تكدّس العملة".
وسط هذا الواقع المعقّد، يقف التاجر الصغير والمواطن العادي والتاجر الكبير على الخط ذاته من المعاناة، في نظام نقدي لا يملكون مفاتيحه، لكنه يحدد مصائرهم اليومية، من سعر الخبز إلى رصيد الحساب.
























