غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"في السابع من أكتوبر، وقع القصف واهتزّ المنزل. سألتني والدتي بلغة الإشارة: ما الذي يحدث؟ لماذا ترتج الأرض؟ هي ووالدي لم يسمعا؛ لأنهما من الصم. فأخبرتهما بأن الحرب قد بدأت"، هكذا بدأت نور طبيل (10 سنوات) رواية الحكاية.. حكاية واقعٍ مختلف في قلب حرب لا ترحم.
روان غزال ومحمود طبيل، زوجان أصمان، عاشا ثمانية عشر شهرًا من الحرب بصمت، لكنهما شعرا بها مع كل ارتجافةٍ وخوفٍ شهداه في عيون أطفالهم الثلاثة: نور (10 سنوات)، وأحمد (7 سنوات)، وشمس (4 سنوات)، الذين يتكآن عليهم ليكونوا ألسنتهم وعينهم في هذا العالم، يترجمون كل ما يجري من "فوضى" بلغة الإشارة.
لم تكن حياتهم في ظل الحرب سهلة، بل تزداد صعوبةً يومًا بعد آخر. فحين أصدر جيش الاحتلال أمرًا بإخلاء منطقة تل الزعتر التي كانوا يسكنونها، اختار الزوجان الفرار من مخيم جباليا شمالي القطاع نحو شارع الوحدة في مدينة غزة، هربًا من مصير مجهول يلاحقهم.
تقول نور: "في بداية الحرب، كان الوضع في جباليا شديد السوء، فقرر والديّ أن نُحضّر حقائبنا وننتقل إلى مدينة غزة، إذ كان الخوف كبيرًا مما يحدث، وخشيا أن يقع أمرٌ يمنعنا من الإخلاء".
"أنا وإخوتي أصبحنا لسان والدينا أمام الناس، خصوصًا حين نذهب للحصول على المياه والطعام، ونقف في طوابير طويلة لنحصل على بعض من أسباب الحياة، بعدما غيّرت الحرب كل شيء، وهدمت وجه غزة".
وتواصل حديثها لـ"نوى": "أنا وإخوتي أصبحنا لسان والدينا أمام الناس، خصوصًا حين نذهب للحصول على المياه والطعام، ونقف في طوابير طويلة لنحصل على بعض من أسباب الحياة، بعدما غيّرت الحرب كل شيء، وهدمت وجه غزة".
وتضيف: "في بداية حياة النزوح، عانيت كثيرًا في شرح كلام والدتي ووالدي للناس، خاصة عندما تخرج والدتي وحدها من الخيمة ويتحدث إليها أحد المارة. استغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى اعتاد الناس على وجود زوجين من الصم بينهم، وبدأوا يتعلمون شيئًا من لغة الإشارة".
تشير نور إلى أن أصعب المواقف التي مرت بها كانت عند وقوع قصف في المنطقة المحيطة بمخيم النزوح، فحينها يتوجّب عليها أن تشرح لوالديها ما يحدث، إذ لم يسمعا شيئًا، وإنما شعرا فقط باهتزازات وحركة غريبة من حولهم.
"نعيش حياة الغزيّين جميعًا، لكنها أصعب بكثير. ليس من المعقول أن تقف طفلة في طابور التكية، ويقع القصف في ذات المكان، فتضطر إلى الركض والنجاة بنفسها وبأرواح إخوتها وأبويها أيضًا".
الطفلة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها أصبحت تتحمل مسؤولية عائلة كاملة، تنطق بلسان والديها وتُخبر العالم بأنها تعاني أضعافًا مضاعفة في ظل استمرار الحرب التي لا ترحم أحدًا.
نور التي تسكن مع عائلتها في مخيم للنازحين بمنطقة الشيخ زايد، بعد أن دُمّر منزلهم خلال اجتياح الاحتلال الأخير لمخيم جباليا، لم تعد حياتها كما كانت قبل الحرب. فقد كان الجيران يساعدون والدها ويفهمون لغة الإشارة ويتحادثون معه، أما اليوم، فقد أصبحت هي من تعيل الأسرة في ظل ظروف قاسية تثقل كاهلها الطفولي.
تقول بصوت يحمل من النضج ما يفوق عمرها: "نعيش حياة الغزيّين جميعًا، لكنها أصعب بكثير. ليس من المعقول أن تقف طفلة في طابور لتحصل على الطعام من التكية، ويقع القصف في ذات المكان، فتضطر إلى الركض والنجاة بنفسها وبأرواح إخوتها وأبويها أيضًا".
وتضيف: "أتمنى أن تنتهي الحرب، وينتهي هذا الكابوس الذي نعيشه في غزة، ونعود إلى حياتنا كما كانت قبل الحرب، ونعيش مع جيراننا الذين يفهمون لغة والديّ وتنتهي هذه المعاناة المُرة".
وتنقل عن والدتها، بلسانها الصغير، أمنية عظيمة: "أمي تتمنى أن تنتهي الحرب، وأن نعود نحن الأطفال إلى مدارسنا، ونكبر، ونلتحق بالجامعة، ونتعلم ونُعلّم الآخرين لغة الإشارة، كي يفهموا والدتي ووالدي حين لا نكون برفقتهما".
























