غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وسط أصوات القصف ورائحة البارود، وفي منزل متواضع لا تتجاوز جدرانه المتصدعة حدود الأمان، أنجبت خديجة البطران (37 عامًا) من بلدة جباليا، شمالي قطاع غزة، مولودها، بمساعدة قابلة شعبية تفتقر للأدوات الطبية، وتعتمد على خبرة متراكمة من سنوات الحصار والحرب.
لم يكن هناك طبيب، ولا غرفة عمليات، ولا حتى جهاز لقياس نبض الجنين؛ فقط دعاء أم، ويد امرأة خبِرت الألم، ورغم خطورة هذه الخطوة على صحتها وجنيتها، لم تجد خديجة سوى هذه القابلة لإنقاذ حياتها وحياة طفلها.
منع القصف وقرب الدبابات الإسرائيلية "خديجة” من الخروج والوصول للمستشفى، فأنجبت طفلها ليلًا دون كهرباء، وسط ظروف قاسية فرضها الحصار والعدوان.
ومنع القصف وقرب الدبابات الإسرائيلية "خديجة” من الخروج والوصول للمستشفى، فأنجبت طفلها ليلًا دون كهرباء، وسط ظروف قاسية فرضها الحصار والعدوان.
وكانت لجنة الإنقاذ الدولية أشارت إلى أن نحو 183 امرأة يلدن يوميًا في غزة، ومعظمهن يفتقرن للرعاية الطبية اللازمة، في ظل وجود نحو 60 ألف امرأة حامل لا يحصلن إلا على الحد الأدنى من خدمات ما قبل الولادة.
وأكدت أن مستشفيين فقط من أصل 12 عاملة جزئيًا يقدمون خدمات الأمومة، من بين 36 مستشفى كانت تعمل قبل 7 أكتوبر.
"نحو 183 امرأة يلدن يوميًا في غزة، ومعظمهن يفتقرن للرعاية الطبية اللازمة، في ظل وجود نحو 60 ألف امرأة حامل لا يحصلن إلا على الحد الأدنى من خدمات ما قبل الولادة".
تقول البطران: “شعرت بآلام المخاض قبيل منتصف الليل، لكن زوجى لم يتمكن من استدعاء الإسعاف بسبب القصف الشديد واستحالة الوصول إلى المنزل"، موضحةً أن التوجه للمستشفى كان أمرًا شديد الخطورة؛ بسبب استهداف الاحتلال لأي حركة، حتى سيارات الإسعاف".
وتتابع: "اضطرت للولادة على يد قابلة تقليدية تُدعى "عائشة" تقطن بالقرب من منزلي. حضرت دون معدات، وطلبت من زوجى أدوات بسيطة كالملح، والمقص، وأي مشبك غسيل".
المقص لقطع الحبل السري
وتصف البطران المشهد بقولها: "سحبت القابلة الجنين بقوة، وقطعت الحبل السري باستخدام مقص، ثم وضعت المشبك على سرته ولفته بقطعة قماش، وأخبرتني بوضع الملح على السرة بعد مغادرتها".
بعد أربعة أيام، شعرت السيدة بحرارة شديدة، وحين حاول زوجها الاتصال بالإسعاف مجددًا، قيل له إن عليه السير جنوبًا للوصول إلى المستشفى المعمداني بسبب خطورة المنطقة.
وتضيف: "بعد مسافةٍ طويلة، صادفنا سيارة إسعاف نقلتني إلى المستشفى، حيث تبيَّن أنني مصابة بحمى النفاس نتيجة التلوث أثناء الولادة، ومكثَت ثلاثة أسابيع هناك لتلقي العلاج حتى شُفيت".

أما سهى النجار (26 عامًا) من بلدة بنى سهيلا شرقي خانيونس جنوبي قطاع غزة، فقد اضطرت للولادة في الشهر السابع، بمساعدة قريبة لها كانت تعمل قابلةً تقليدية قبل ٤٠ عامًا.
تقول: "نتيجة للخوف الشديد من القصف الإسرائيلي والاجتياح البري لبلدتى، فاجأتني آلام المخاض في الشهر السابع، ولأنني أسكن في منطقة نائية تبعد حوالى ثلاثة كيلو مترات عن أقرب مستشفى، ونظرًا للحالة الأمنية الخطرة، اضطررت للولادة داخل المنزل".
"طلبت القابلة من زوجي تسخين مياه في وعاء، وإحضار سكين، ومشبك، وذلك لكي يتم تعقيمهما بالمياه الساخنة قبل استخدامهما".
وتضيف: "طلبت القابلة من زوجي تسخين مياه في وعاء، وإحضار سكين، ومشبك، وذلك لكي يتم تعقيمهما بالمياه الساخنة قبل استخدامهما".
وتتابع: "بعد عدة محاولات من قبل القابلة، لإخراج طفلتي الأنثى (أميرة)، ولدت أخيرًا، إلا أن الأمر لم يكن سهلًا بالنسبة لي كامرأة تتعرض لهذه الولادة لأول مرة".
لا تستطيع النجار وصف شعورها، "كان صعبًا جدًا أن أضع جنيني في هذه الظروف، وفي ظل هذه الحرب البشعة. كنت خائفة من أن أفقد حياتي أو أفقد طفلتي جراء هذه الولادة الخطرة".
على ضوء الهاتف الخلوي
وفي حي تل الزعتر شمالي غزة، اضطرت رانيا سمور (31 عامًا) للولادة في منزلها بعد توقف مستشفيات كمال عدوان والعودة والإندونيسي عن العمل بسبب القصف والاجتياح.
تقول سمور: "لجأت لقابلة تُدعى وصفية، كانت قد عملت بالمهنة قبل 31 عامًا. حضرت ومعها حقيبة صغيرة بأدوات بسيطة، وقد أنجبت على ضوء الهاتف المحمول بسبب انقطاع الكهرباء، وتمت ولادة طفلي "مصطفى" بسلام"، مؤكدةً أنه وعلى الرغم من خوفها من مخاطر هذه الولادة على صحتها وجنينيها، إلا أنها لم تعاني من أي مضاعفات.
"القابلات يستخدمن أدوات بسيطة كالملح والمقص والماء المغلي، وتعتمد الطرق التقليدية على وسائل مساعدة كالتمر والقرفة والماء الدافئ".
وتوضح سمور أن الخوف والتوتر سيطرا عليها قبل الولادة، "لكن أكثر ما كنت أحتاجه هو الطعام، خاصة في ظل ندرة الغذاء، ما يصعّب الاعتماد على الرضاعة الطبيعية، وفي الوقت ذاته شح حليب الأطفال".
بدورها، تخبرنا القابلة التقليدية وصفية الشرافي (63 عامًا) من حي تل الزعتر، شمالي قطاع غزة، أنها عملت في القبالة والتوليد منذ 31 عامًا، وخلال الحرب الحالية ساعدت أكثر من 30 سيدة على الولادة شمالي غزة، بسبب تعذر الوصول للمستشفيات نتيجة القصف والحصار.
وتقول: "القابلات يستخدمن أدوات بسيطة كالملح والمقص والماء المغلي، وتعتمد الطرق التقليدية على وسائل مساعدة كالتمر والقرفة والماء الدافئ"، ملفتةً إلى أن هذه الولادات كانت معتمدة في حقبة الانتفاضة الأولى عام 1987م، عندما حدث الحصار ومُنِع التجول، فأُجبرت النساء على الولادة في المنازل، "أما عن التعقيم، فتستخدم فيه القابلة الماء المغلي والصابون فقط".
وتحذر الشرافي من مخاطر الولادة المنزلية، خصوصًا في الحالات المعقدة التي تستدعي جراحة، مؤكدة ضرورة المستشفى حينها.
مضاعفات صحية خطيرة
وفي السياق، يقول أخصائي النساء والولادة الدكتور خليل الدحدوح: إن "نزوح الطواقم الطبية وتعطل مستشفيات غزة بسبب العدوان الإسرائيلي، أدى لعودة القابلات التقليديات، مما فرض واقعًا صحيًا صعبًا".
وأشار إلى أن الكثير من النساء اضطررن للولادة في المنازل ومراكز الإيواء وسط غياب النظافة، ما عرّضهن ومواليدهن لمخاطر النزيف والعدوى، محذرًا من أن الولادة خارج المستشفيات قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تهدد حياة الأم والطفل في آنٍ معًا.
























