شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 21 مايو 2026م03:06 بتوقيت القدس

غزة.. "مؤنّثٌ" غير سالم!

24 يونيو 2025 - 12:28

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعصبية وغضب لا يمكن لمحاولات الصبر أن تخفيها، تمسح أم عبد الله وجهها المتعرق بيدها تارة، وتهش بالأخرى قبيلة من الذباب تحوم حول أفكارها المشتتة. تغسل بدلو مهترئ ما تيسر من ملابس أولادها الثمانية التي تضاهي الدلو اهتراءً؛ لتستغل فرصة الحصول على الماء المعاد تدويره، والمتدفق لساعات قليلة من اليوم من إحدى محطات المياه المتواضعة والمجاورة لخيمة النزوح.

في غزة، تحمل يوميات النساء تفاصيل موجعة لا يمكن لعين كاميرا أو لصوت مذيع أو حتى لقلم كاتب سردها بألمها الحقيقي، ذلك الألم الذي يشبه الموت غالبًا.

تفتح آلاء عينيها في السادسة صباحًا، وتتأمل سقف الخيمة. تتفقد فتحاتها الجانبية وثغراتها كي تتأكد أن لا أحد يتلصص عليها وهي كاشفة الرأس. تنفض وسادتها القاسية كقسوة كل شيء حولها إنذارًا لأي فأر، وتغمض عينيها برهة لتقرأ أذكار الصباح، وتتضرع بأن ينتهي هذا الكابوس الذي يبدأ بالاستيقاظ لا عند النوم فقط.

تكنس الخيمة إلى أن ينال منها الملل، ثم تخرج بحثًا عن الماء وبقليل منه تغسل وجهها وأسنانها. تنتقل بعدها للبحث عن بقايا حطب لتشعل النار بعد جهد مضنٍ في البحث عن ولاعة (بلغ سعرها مؤخرًا ١٢ دولارًا).

تتشغل آلاء بالتفكير "ماذا نأكل اليوم؟"، موجهةً السؤال لأمها التي كانت قد سألت نفسها ذات السؤال، وكأن الخيارات كثيرة؛ لتصنع تلك الحيرة: هنا المفاضلة فقط بين صنفين لا ثالث لهما، عدس و أرز أومعكرونة، لتستقر الإجابة على الصنف الذي لم يطبخ أمس.

بالقرب، تجلس منى (16 عامًا)، تتلفت يمينًا ويسارًا وتسأل الجارات عن جالون ماء زيادة، لتغسل جسدها من آثار الدورة الشهرية الغزيرة.

تبحث عن خرقةٍ نظيفة لا تسبب لها في أي التهابات لتنهي هذه المهمة المعقدة التي تستمر أيامًا، وتشكل عبئًا مرعبًا للفتيات الخجولات اللاتي يلملمن أنفسهن ذهابًا وإيابًا في بيئة تفتقد للأمان.

تقول الأمهات هنا في غزة لفتياتهن: "تسترن استعدادًا للموت في أية لحظة"، رغم ذلك تترك منى العنان أحيانا لربيع عمرها بالتسلل، فتسترق لحظات لوضع طلاء الأظافر أو صنع طوق من الخرز من بقايا ثوب قديم، أو حتى للقاء ابنة الجيران.

وتخوض هدى حربًا أُخرى إلى جانب الحروب التي يخوضها الجميع. حربها مع الوقت ومع مرض خبيث. حرمت حقها في العلاج، وحتى من تشخيص المرض. تعد الدقائق والأيام وتتابع الأخبار لعلها تجد بارقة أمل في فتح المعبر  للسفر وتلقي جرعات الكيماوي، أو على الأقل للحصول على قدرٍ كافٍ من الطعام لتقوية جسمها الهزيل ومقاومة المرض.

تتمنى أحياناً ألا يخطئها الصاروخ الهابط من إحدى طائرات "إسرائيل"، فينهي ألمها المتكاثر لتصبح شهيدة الوطن. "قد يبدو ذلك الوصف أكثر عنفوانًا من لقب شهيدة المرض والحصار" تقول.

أكثر ما يؤرقها فراق أبنائها، فقد تسلل اليأس والبؤس إلى قلوبهم مع تضاؤل فرض النجاة، نجاة أمهم، التي قاست لسنوات طويلة في كنف والدهم العنيف، "الذي لم تجعله الحرب أكثر قدرة على تحمل مسؤوليته تجاه أطفاله".

في بقعةٍ أخرى تحت أرض تحترق كل يوم بدمع الثكالى، تتأمل ملك فستان زفافها، بينما الألم يعصر قلبها. تتخيل صورة خطيبها ببدلة سوداء انيقة يقف خلفها لالتقاط صورة الزفاف، لكنها تصحو، بعد أن تعود إلى أرض الحقيقة المُرة: عش الزوجية انقض عليه شبح الموت فحوله إلى أطلال.

تقول: "ليت الخسارة في الحجارة فقط، فقد رحل السند وتلاشى الحلم وغاب العريس إلى الجنة" بينما كان في مدينة غزة، وملك برفقة عائلتها في الجنوب تفصلهما بضعة كيلومترات تساوي سنوات ضوئية في ساعة الحروب.

لم يكن أحمد مجرد عريس. كان انيس القلب والروح، ابن العم الذي حضر براءة الطفولة وشقاوة المراهقة، قضى شهيدًا بقصف بعد مكالمة مطولة مع ملك، كانت آخر عباراته فيها  "لا إله إلا الله.

كل واحدة من هؤلاء النسوة لها طقوسها، لكن يجتمعن على هدف واحد: النجاة.

كل واحدة من هؤلاء النسوة لها طقوسها، لكن يجتمعن على هدف واحد: النجاة. أم عبد الله أنهت الغسيل، آلاء جمعت الأواني، غزل اشترت قطعة حلوى، منى شربت الشاي، هدى بحثت عن علاج شعبي، آمال رتلت القرآن، وملك عرضت فستانها للبيع.

ينتهي اليوم بصمت ثقيل، يتخلله طنين الطائرات. الكل ينتظر مصيره.. هل يأتيهم الموت الليلة أم ليس بعد؟ يغلبهن النعاس على أمل أن تشرق عليهن في الغد شمس جديدة.

كاريكاتـــــير