غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غرفة بسيطة تتوسط المنزل الذي لجأت إليه بمخيم خانيونس جنوبي قطاع غزة، بعد موجات من النزوح إثر قصف منزلها، تجلس الحاجة صبيحة شراب (72 عامًا) وقد التفَّ حولها مجموعة من الأطفال. تمسح على رؤوسهم، تتأمل ملامحهم وكأنها تبحث عن طيف أبنائها الخمسة الذين غيّبتهم الحرب. لم يتبق لها سواهم، أحفادها، الذين تجد فيهم سلوى الروح، وتعويضًا يخفف وجع القلب بعد أن حملت نعوش فلذات كبدها واحدًا تلو الآخر.
"أشعر أن روحي مقطّعة، ولكن هؤلاء الصغار هم ما يبقيني واقفة"، تهمس بينما تشير إلى أحدهم وقد استقر في حضنها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تجد فيها الحاجة صبيحة نفسها وحيدة في مواجهة قسوة الحياة. قبل أكثر من ثلاثين عامًا، ودّعت زوجها لتبدأ رحلتها في إعالة أبنائها الخمسة. بالكاد كانت قادرة على سد رمقهم، تعمل وتكدح لتطعمهم وتعلّمهم. واليوم، وبعد أن صاروا رجالاً وأرباب أسر، جاء الموت ليختطفهم منها، واحدًا واحدًا، ويعيدها إلى المربع الأول: أرملة تربي أبناء أبنائها، لكن في عمرٍ لم يعد الجسد فيه يقوى على الركض خلف طفلٍ صغير، أو تحمّل صراخ حفيدٍ جائع.
في الهدنة الأولى، وبتاريخ العاشر من ديسمبر، خرج ابن صبيحة (محمد) لتفقّد المنطقة بعد أن سمع أصواتًا غريبة. لم تمضِ دقائق حتى باغتته طائرة استطلاع بصاروخ مباشر، تقول الحاجة بصوت يرتجف: "لم نستطع أن نصل إلى جثمانه فورًا، بقي تحت الركام حتى صباح اليوم التالي، حين تمكن شقيقه من انتشال. نظرت إليه مرةً أخيرة، ثم ودّعته إلى الأبد".
ترك محمد لأمه طفلين، "كلما اشتقت إليه، ضممتهما إلى صدري. كنت أظنها الفاجعة الكبرى، ولم أكن أعلم ما ينتظرني بعدها" تخبرنا بحرقة، وتعقب: "سقطت أول خرزة في السبحة؛ ثم لحقت بها البقية تباعًا".
"لم أصدّق في البداية، كنت أصرخ على الجميع: أحمد بخير، لن يتركني كما فعل محمد، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن أنكرها فعلًا".
لم يطل الزمن كثيرًا، حتى خرق الاحتلال اتفاق التهدئة، واندلعت موجة جديدة من القصف. كان أحمد، الابن الثاني، يقيم مع زوجته وأطفاله في منزلٍ بنفس المخيم، "في 11 نيسان/ أبريل الماضي، سقط صاروخ قرب منزلهم، لم أصدّق في البداية، كنت أصرخ على الجميع: أحمد بخير، لن يتركني كما فعل محمد، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن أنكرها فعلًا".
تضيف: "جاء أبنائي بعد دقائق وقالوا: الضربة كانت لبيت أحمد. استُشهد مع اثنين من أطفاله، ونجا ولد وبنت فقط". مسحت الأم الثكلى دمعة سالت على خدها، وقالت: "احتضنتهما وبكيت.. كنتُ وكأنني أضم أحمد نفسه".
لم تنتهِ الكارثة بعد. ففي عصر الجمعة 22 نيسان/ أبريل الماضي، هزّ انفجار عنيف أرجاء المخيم. سقط صاروخ على منزل كان يتواجد فيه محمود، وعلي، ومصطفى، الأبناء الثلاثة الباقون. "قالوا لي: كلهم استُشهدوا"، تهمس بصوت مكسور.
وتزيد: "جاء اليوم الذي أدفن فيه أولادي الخمسة واحدًا تلو الآخر. دفنتهم بيدي، وأخذت عهدًا على نفسي أن أربي أبناءهم كما ربيتهم مهما كلفني ذلك".
باتت الحاجة صبيحة اليوم أمًا وجدة ومعيلة وحيدة لعدد كبير من الأطفال. بعضهم لا يتجاوز عمره السنتين، دون عون أو دعم أو مأوى دائم. الحرب مزّقت العائلة، وسلبت منها الأمان، وأعادت الزمن للوراء.
"كل شيء توقف، لم يعد كما كان من قبل"، تهمس وهي تنظر إلى سقف الغرفة المنخفض، ففي ظل وضع إنساني كارثي في غزة، لا تستطيع الحاجة صبيحة تأمين طعام الأطفال إلا بشق الأنفس.
تتحدث صبيحة عن صعوبات لا تنتهي، من التنقل، إلى العناية بالأطفال، إلى توفير الطعام، إلى مقاومة الحزن. "قدماي لم تعودا تحملانني. بالكاد أستطيع الوقوف".
"أحيانًا لا أتمكن من إعداد وجبة واحدة"، تقول وهي تشير إلى مطبخ صغير بالكاد يحتوي على إناء ماء وبعض الخبز الجاف.
تتحدث عن صعوبات لا تنتهي، من التنقل، إلى العناية بالأطفال، إلى توفير الطعام، إلى مقاومة الحزن. "قدماي لم تعودا تحملانني. بالكاد أستطيع الوقوف، كيف تريدون أن أجري وراء الأطفال؟ كيف أؤدب هذا وأرعى ذاك؟" تتساءل.

ترفع عينيها إلى السماء وتقول بصوت يختلط فيه التوسل بالانكسار: "ما حدث معي لا تحتمله الجبال، لا تقدر أمٌ أخرى أن تتحمله. الفقد خنجر يغرس في الروح، ولا أحد يشعر بطعنه".
رغم كل شيء، لا تملك الحاجة صبيحة سوى الإيمان والصبر. تحاول أن تغرس في أحفادها حب الحياة، برغم الموت الذي يحاصرهم من كل جانب. تُخفي دمعها عنهم كي لا يتذوقوا مرارة اليُتم مرتين: مرّة لفقدان آبائهم، ومرة لحزن جدّتهم.
وتضيف أخيرًا: "ربيت أولادي رجالًا، وسأربي أبناءهم كذلك. رغم كل شيء، ما زلت واقفة، وسأبقى واقفة.. من أجلهم".
























