غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ليلةٍ استثنائية أضاءت عائلة الطفل نوح السقا شمعة ميلاده العاشر، فوق كعكةٍ صنعتها والدته بعد معاناة في جمع مكوناتها تحت سطوة المجاعة.
احتفل الطفل مع والديه وأشقائه وأبناء عمه، ونام في تلك الليلة بفرحةٍ لا يمكن وصفها، لدرجة أنه أخبر والدته: "اليوم أنا كتير مبسوط.. اليوم أحلى يوم بحياتي".
وفي مقطع فيديو وثقته العائلة لتلك الليلة، يظهر نوح ووالده يقبله ويعطيه هدية عيد ميلاده، بينما الفرحة تملأ قلبه وروحه.. كيف لا؟ وهو الابن المدلل لأبيه، وحبيب العائلة كلها، صغارها وكبارها؟
استيقظ الطفل مبتسمًا، يراجع ما حدث بالأمس.. وكأنه في حلمٍ لا يريد أن يصحو منه، ارتدى ملابسه ذاتها، وأعطى والدته النقود التي حصّلها هدايا لعيد الميلاد، وكانت (150 شيقلًا)، وأخبرها بأنه سيذهب لشراء "كيس شيبس"، ليأكله بمشاركة شقيقه آدم (12 عامًا)، ويعود على وجه السرعة.
اشترى نوح الشيبس، لكنه لم يعُد.. صاروخٌ إسرائيليٌ استهدف مطعمًا، فاستقرت شظية في رأسه أدت إلى استشهاده على الفور.
يسرد والده داوود السقا لـ"نوى"، اللحظات الأخيرة لنوح قبل استشهاده، ويقول: "سألَنا ماذا سنأكل اليوم على الغداء؟ فأجبته: تونة، أو علبة فول.. تذمّر من الطعام وقال: كل يوم معلبات! ثم خرج ليشتري شيبس، بعد دقائق سمعنا صوت انفجار".
خفق قلب داوود خوفًا، فهرول إلى مكان الاستهداف يبحث عن ابنه. لم يره، لكن الناس أبلغوه أنه نُقل إلى المستشفى بعد أن أصيب.
قبل خروج نوح من المنزل أوصى شقيقته بأن تخبّئ له كرة القدم المفضلة لديه، وألا تعطيها لأي أحد يطلبها غيره، وقال لها "هذه أمانة". تستذكر شقيقته الموقف وتنهار كل مرةٍ من البكاء.
يضيف الأب: "رغم مرور نحو شهر على الحدث، إلا أن نوح لا يكاد يفارق مخيلة أحد من أخوته. له في قلوبنا نصيب كبير"، مردفًا: "كان دائمًا يسألني: أين يذهب الذين استشهدوا؟ فأخبره إلى الجنة، ليبدأ بالتساؤل: كيف شكل الجنة؟ وهل فيها كل ما نفتقده في هذه الحرب؟".
يشهد الأطفال لنوح ببراءته، "حين كان يأخذ نصف طعامه وينثره على سطح المنزل كي تأكله الطيور، ويخبئ نصف رغيفه ويبدأ بإطعام القطط في الشوارع، ويصاحب الكبار والصغار" يخبرنا والده.
كان نوح يخاف كثيرًا من القصف، وبعد كل ضربة، يسأل والده: "وين في أمان يا بابا؟ ممكن نروح نسكن هناك؟"، وكان كلما رأى أطفالًا شهداء بكى، وتساءل: "ما ذنبهم؟ ماذا فعلوا كي يقتلونهم بالصواريخ هكذا؟".
يشير داوود إلى أن آدم شقيق نوح دخل بنوبة اكتئاب شديدة، لا يخرج ولا يتفاعل مع أحد بعد استشهاده، "لا يوجد أحد يلعب معه بعد اليوم".
ويكمل قوله: "طلب مني نوح فتح بسطة من المسليات ليعيل العائلة وليخفف الحمل عني، لكنني رفضت، ولماألحّ عليّ وافقت. كان يعود بدون أي ربح، وأحيانًا كثيرة بخسارة، ولما أسأله كيف خسرت، يقول لي: "يا بابا الأولاد ما معهم مصاري. بخزن لما يكونوا بدهم إشي عن البسطة ومش قادرين يجيبوه".
كانت أمنية نوح الوحيدة قبل أن يستشهد انتهاء الحرب، "أن يعيش طفولته بسلام ودون خوف"، وبعد استشهاده بيوم واحد، عثر والده على ورقة في دفتره كتب فيها: "أتمنى أن تنتهي الحرب، وأن يتحرك العالم لإنقاذ غزة.. احنا في خطر".
واستشهد نوح السقا يوم الأربعاء، السابع من مايو/ آيار الجاري، بمجزرة التايلندي التي وقعت في حي الرمال غربي مدينة غزة. في هذا اليوم، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بصاروخين مطعمًا شعبيًا وسوقًا مكتظًا بالمدنيين في نفس التوقيت، مما أدى إلى استشهاد 33 فلسطينيًا وإصابة 86 آخرين، وفقًا لوزارة الصحة بغزة.
























