شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 11 مايو 2026م19:28 بتوقيت القدس

غطاء البلاط تجاوز سعره 300 دولار..

"نايلون" وألواح خشب و"زينكو" لتغطية قبور شهداء بغزة!

18 مايو 2025 - 01:31

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"عندما دفنّا أخي، لم نتمكن من توفير بلاطات أسمنتية لتغطية القبر. استخدمنا بابًا خشبيًا"، قالها عماد، شقيق الصحافي الشهيد محمد منصور بأسى، وأضاف: "قطعت في اليوم التالي مسافة طويلة جدًا من خانيونس جنوبًا إلى المنطقة الوسطى بحثًا عنها، فوجئت بأن سعرها تجاوز 1000 شيقل".

ومع اشتداد حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، برزت معضلة جديدة، تفوق "الفقد" صعوبةً وقسوة، وتكمن في "تكريم الشهداء والموتى بدفنهم كما يليق".

الأماكن المخصصة للدفن صارت شحيحة، والمقابر معظمها موجودة في مناطق أطبق جيش الاحتلال الإسرائيلي حصاره عليها، بالإضافة إلى التسعيرة المرتفعة لتكلفة القبر، التي تعجز على تحملها معظم الأسر الغزية، التي تعاني بالأساس من ظروف اقتصادية خانقة وانعدام لمصادر الدخل، "مما يدفع الأهالي لتغطية قبور أبنائهم بأدوات غير مناسبة ولا تحفظ الجثمان بالشكل المطلوب" يعقب عماد.

ويحكي عن موقف حدث معه خلال دفن شقيقه محمد، فيقول: "كانت القبور الأخرى المجاورة لقبره مغطاة بأنواع مختلفة من المواد البسيطة، مثل: أخشاب بالية ونايلون، وعندما كنا نقوم بتجهيز قبر محمد، مشى أحدنا بالخطأ فوق قبر مجاور مغطى بلوح زينقو (يصنع من حديد الصاج الرقيق)، فكُسر اللوح أسفل قدمه وانهار الضريح".

وجه آخر للمعاناة

ولا تتوقف معاناة ذوي الموتى والشهداء عند حد إتمام تجهيز القبر بطريقة مناسبة تضمن ثباته وعدم انهياره بفعل الأمطار أو مرور أحدهم بالخطأ فوقه، بل تتعدى ذلك إلى وجود صعوبة في توفير مكان مناسب للدفن، في ظل وقوع معظم المقابر في مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتنشط فيها عملياته العسكرية البرية.

"الاحتلال دمّر 19 مقبرة من أصل 60 في القطاع بشكل كلي أو جزئي، مع إخراجه العديد من المقابر عن الخدمة نتيجة السيطرة الميدانية المباشرة".

ويؤكد إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن الاحتلال دمّر 19 مقبرة من أصل 60 في القطاع بشكل كلي أو جزئي، مع إخراجه العديد من المقابر عن الخدمة نتيجة السيطرة الميدانية المباشرة لجيشه على المناطق التي تقع بها.

ويقول لـ"نوى": "إن عدم توفر القبور يشكل أزمة إنسانية مضاعفة للأهالي الذين فقدوا ذويهم خلال الحرب، خاصة مع تجاوز عدد الشهداء حاجز 52 ألف شهيد، وصلوا مستشفيات قطاع غزة بشكل رسمي، علاوةً على منع الاحتلال إدخال المواد والمعدات اللازمة لحفر وبناء القبور، وعدم توفر مساحات لتدشين مقابر جديدة في ظل توسع نطاق العمليات البرية وزيادة التكدس والاكتظاظ".

قبور جماعية

وساهمت وتيرة القصف الوحشية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، واستهداف عائلات كاملة، في انتشار القبور الجماعية، مع ارتكاب الاحتلال لنحو 12 ألف مجزرة، شُطبت على إثرها أكثر من 2170 عائلة من السجل المدني، وخاصة مع استخدامه لقنابل شديدة الانفجار، تؤدي إلى تحويل رفاة الشهداء إلى أشلاء صغيرة.

ويضطر ذوو الموتى في قطاع غزة، إلى استخدام القبور الجماعية لدفن موتاهم في ظل ارتفاع تكلفة إنشاء القبر والاكتظاظ الشديد في المقابر، الأمر الذي دفعهم لاستخدام الحدائق العامة والساحات وجوانب الطرقات كمدافن جماعية، مما يهدد الشعائر الجنائزية المتبعة في فلسطين، بحسب الثوابتة.

ويقول أحمد عليان، من مدينة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة: "بعد قصف الاحتلال منزل أخي الذي كان يعج بالنازحين بحزام ناري، وارتقاء 28 شخصًا بينهم نساء وأطفال تحولوا جميعهم إلى أشلاء، اضطررنا لدفنهم في قبر جماعي بجوار البيت المستهدف"، مردفًا بحرقة: "لم يكن هناك فرصة لفرز الأشلاء عن بعضها، ولم نملك رفاهية إنشاء أكثر من قبر، أو حتى دفنهم في إحدى المقابر المخصصة للدفن".

"استخدمنا بقايا من ركام المنزل في بناء وتثبيت الضريح بشكل مؤقت، ثم غطيناه بألواح خشبية، على أمل العودة وإعادة استخراج رفاتهم ونقلها للدفن في إحدى المقابر المخصصة".

ويتابع عليان: "كان الأمر صعبًا جدًا علينا، خاصة في ظل عدم امتلاكنا لمستلزمات الدفن من أكفان وغيرها، فاضطررنا إلى جمع بقايا لحومهم وعظامهم من أسفل الركام في ملاءات قماشية، ودفناها على هذه الهيئة، بدلًا من لفها بالأكفان".

وعن بناء القبر، "استخدمنا بقايا من ركام المنزل في بناء وتثبيت الضريح بشكل مؤقت، ثم غطيناه بألواح خشبية، على أمل العودة وإعادة استخراج رفاتهم ونقلها للدفن في إحدى المقابر المخصصة، أو إعادة بناء القبر بشكل جيد على الأقل بعد توفر المواد اللازمة".

ويؤكد عليان أنهم منذ ذلك الحين، لم يستطيعوا الوصول مجددًا إلى المنطقة التي يقع فيها منزل وقبر عائلة أخيه؛ بسبب تواجد جيش الاحتلال الإسرائيلي هناك، مع الإشارة إلى عجزه عن تحمل تكلفة بناء قبر جديد لهم في ظل الارتفاع الكبير لتكلفة إنشائه، مقارنة بالوضع الاقتصادي المأساوي الذي يعصف به وبالغالبية العظمى من الغزيين المكتوين بنار الحرب.

ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة ضد كل ما هو فلسطيني، تتوالى حلقات المعاناة وتتفاقم حدتها وتشتد وطأتها على الشعب الذي استُنزِفَ حتى آخره، فعاش أبشع صور الكارثة في حياته، وينتظرها حتى بعد موته.

كاريكاتـــــير