شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م00:50 بتوقيت القدس

راح ضحيتها 34 إنسانًا بغزة..

الطريق إلى "التايلندي".. العبور إلى ذكرى "المجزرة"!

15 مايو 2025 - 02:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

سيلٌ من الدماء انساب على طول الطريق إلى ذلك المكان. بقايا طاولات وكراسٍ تناثرت على الجانبين، مصابون يئنون وجعًا، وأطفال يصرخون.. نسوةٌ يركضن إلى حيث لا وجهة في حضرة الدخان، وأشلاء شهداء اختلطت بطعامٍ لم يكملوه بعد.. عن مجزرة "التايلندي" نتحدث!

صاروخٌ أسقطته طائرةٌ إسرائيلية، عصر السابع من مايو/ أيار الجاري، أدى لحدوث مجزرة في مطعمٍ شهير بغزة، يحمل اسم "التايلندي"، راح ضحيتها 34 شخصًا، من بينهم طفلٌ يبيع القهوة، ويحفظ ملامحه المارة وأهل المكان، وصحافيٌ استقبل قبل ساعات مولودته، وشابٌ خرج بحثًا عن مصدر رزقه، وكثيرون منهم، حملوا أرواحهم على أكفهم تحت النار لتحقيق "حلمٍ" صغير بتناول أكلة تسد صرخات "المجاعة"، ومنهم حتى من راح هناك ضحية مرورٍ عابر!

"المعيل الوحيد لنا، كان سندنا والله"، بهذه الكلمات بدأت أم الطفل الشهيد، كمال مريش (12عاماً)، بائع القهوة الصغير عند المفترق، حكايته.

في كل الشوارع المحيطة بالمكان، وبين الأزقة، كان كمال يتجول وينادي على قهوة الصباح بوجهٍ ضاحك. يخرج في ساعات الصباح ويعود آخر النهار، جانيًا بضع شواكل يسد بها رمق عائلته.

تضيف والدته: "كان من المفترض أن يعود إلى البيت ليملأ دلة القهوة بكمية جديدة، لكنه تأخر كثيرًا.. شعرت بحدوث شيء لكنني كذبت نفسي".

سرعان ما راود الأم المكلومة ذاك الشعور، حتى أتاها ابنها البكر الذي كان يرافق شقيقه في بيع القهوة، يركض ويصرخ: "الحقي يما.. أخويا كمال مات".

حشرجة خنقت صوتها فبكت وهي تكمل الحكاية: "صرت أصرخ.. جريت مثل المجانين، لم أصدق ما سمعته، وحتى هذه اللحظة لا أستوعب أبدًا فكرة أنه غاب إلى الأبد".

"دخلت الثلاجة، لقيتهم بكفنوه، صرت أصرخ (..) لم أتخيل يومًا أن أعيش نار الفقد بهذه الشاكلة".

هرَعَت والدته إلى مكان الحدث، وبقيَت تبحث بين الجثامين عن أي شيء يدلها عليه، حتى باغتها أحدهم بسؤال: "ع مين بتدَوري يختي؟"، لتجيبه بصوت يرتجف خوفً: "ابني.. ابني ببيع قهوة هان"، فأخبرها أنه نُقل إلى المستشفى.

داخل ثلاجة الموتى في مستشفى الشفاء الطبي، كان كمال يُكفّن بلا والديه. تصف والدته المشهد: "دخلت الثلاجة، لقيتهم بكفنوه، صرت أصرخ"، وتعقب باكية: "لم أتخيل يومًا أن أعيش نار الفقد بهذه الشاكلة".

وعن أكثر ما يذيب قلب والدته، تقول: "يوم استشهاده وقبل ذهابه للعمل، صحيت لقيته متحمم ولابس ومرتب، وأخبرني أن اليوم الخميس، ويريد أن يخبئ مصروفه ويتناول بقيمته البوظة".

وأثناء حديث مراسلة "نوى" مع والدته، خرج والده عن صمته وبكى. قال: "كان يعود من عمله ويأتي من خلفي ويحضنني، أفتقده كثيرًا فهو الذي كان يهون الدنيا عليّ".

وجع آخر على سرير المستشفى، يلف قلب زوجة الصحافي يحيى صبيح (32 عامًا)، الذي عاش لحظة ولادة طفلته وبعدها بساعات ارتقى شهيدًا، ولم تعلم أن تاريخ ولادة طفلتهما سيكون يوم استشهاده.

تقول لـ"نوى": "خرجت من العملية القيصرية بعد الولادة والأوجاع تنخر في جسدي، كان يحيى لحظتها يمسك يدي بقوة، ولم أدرك أنها ستكون المرة الأخيرة.. اللمسة الأخيرة".

كانت فرحة صبيح عارمة: وأخيرًا رُزق بطفلة بعد طفلين من الذكور، تصف زوجته لحظة رؤيته لها بالقول: "كأن الدنيا لم تتسع لفرحته. أذّن في أذنها لكنها كانت تبكي بشدة ولم تهدأ"، مشيرةً إلى أن الأطفال في عادتهم بعد الميلاد يكونون هادئين، مضيفةً: "وكأنها كانت تشعر بأنها ستفقد والدها إلى الأبد".

جاءه أصدقاءه للمستشفى، وذهبوا إلى مطعم التايلندي لتناول الحلوى بمناسبة قدوم الطفلة. تروي زوجته: "بعدها بلحظات وقع قصف عنيف، جاءوا لنا بخبر استشهاد ابن عم زوجي، ولم أتوقع أن يكون يحيى معه".

أخفى عليها الجميع خبر استشهاده، لكن نظراتهم ودموعهم كانت تشي أن أمرًا جليًا قد حدث. تصف لحظة الفاجعة: "رفضوا أن يأتوني بهاتفي، بقيت أصر عليهم، لكن لم يساعدني أحد، لكنني حصلت على هاتفي أخيرًا. شبكت الإنترنت، ووجدت الخبر أمامي".

"صرخت بأعلى صوتي، ناجيت الله بأن يرحمه ويهب قلبي الصبر والقوة، ثم التفتُّ لطفلتي التي تجاورني السرير بعيون باكية، وقلت لنفسي: من أجلها سأكمل الطريق".

تتابع: "صرخت بأعلى صوتي، ناجيت الله بأن يرحمه ويهب قلبي الصبر والقوة، ثم التفتُّ لطفلتي التي تجاورني السرير بعيون باكية، وقلت لنفسي: من أجلها سأكمل الطريق وأربي أطفالي كما كان يحب ويتمنى وكأنه حاضر بيننا وأكثر".

ويصف مدير المالية في المطعم شعبان حجاج، الحدث بقوله: "مجزرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. انفجار ضخم هز أرجاء المكان، شعرت بقوته لكني لم أعِ أنني مصاب إلا حين رأت الدماء تنزف من جسدي".

بقي حجاج يزحف وهو ينزف باتجاه الشارع حتى يراه المارة وينقذونه. يضيف: "رفعت يدي أشير للناس، لكن الجميع هرب بعد سماعهم أن الاحتلال سيعاود القصف مرة أخرى"، مشيرًا إلى أنه ظل ينزف وقتًا لم يستطع حسابه حتى نقله بعض الشبان إلى المستشفى أخيرًا.

"كانت إحداهما تقول للأخرى: "كتير غالية.. لتجيبها: غالية غالية، خلينا ناكلها، يمكن نموت بعدها".

أصيب حجاج ببتر في إصبع يده، وتهتك في الإصبعين الآخرين، وشظايا في قدمه ويده اليسرى وبرأسه.

وعن أكثر الموقف ألمًا وحسرة يخبرنا: "جاءت طفلتان لتناول بيتزا، ونظرًا لارتفاع ثمنها، تقاسمتا المبلغ، كانت كل واحدة منهما تدفع شيكلًا تقابله الأخرى بشيكل آخر".

ووفق شهادته، كانت إحداهما تقول للأخرى: "كتير غالية.. لتجيبها: غالية غالية، خلينا ناكلها، يمكن نموت بعدها".

لحظات وحدث ما نطقت به.. ارتقت إحداهما شهيدة، فيما أصيبت الأخرى، ولم تتمكنا من تناول إلا قطعة واحدة من البيتزا التي غُمست بدم صاحبتيها.. ووقفت صورتها في حلق كل من رآها وسمع تفاصيل المجزرة.

كاريكاتـــــير