غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قلبي انخلع من مكانه"، بهذه العبارة، وصفت والدة الشهيد المسعف رفعت رضوان لحظة سماعها صوته يطلب منها "المسامحة" و"الدعاء" قبل دقائق من ارتقائه برفقة 7 من زملائه، و6 من رجال الدفاع المدني في حي تلك السلطان غربي رفح.
باغتهم الجنود خلف السواتر الترابية، حاصروهم ثم أطلقوا نحوهم زخات من الرصاص الحي دون توقف. هذا ما ظهر في شريط الفيديو الذي وثقه الشهيد المسعف قبل أن يعدمه جنود الاحتلال بدم بارد.
لحظاتٌ تنحبس لها الأنفاس رافقت الشاهد على الجريمة، قال لأمه: "سامحيني يمة.. دعواتكم لنا"، ثم تمتم بصوتٍ متلعثم (اجو اليهود.. اجو اليهود)، وبعدها انقطع صوته إلى الأبد.
تحكي أمه بحسرة لـ"نوى": "لم أتوقع نهائيًا أن يعدموهم، كنتُ أُقنع نفسي بعد اختفاء أخبارهم طوال تلك الأيام، أنه معتقل، وسيعود آجلًا أو عاجلًا. لم أصدق أبدًا أنه استشهد".
ثمانية أيام لم تعرف خلالها الأم المكلومة شيئًا عن مصير ابنها، وبقيت تحت حيرة التساؤلات، والتخبط والتشتت.
تردف: "سمعتُ من النازحين الذين خرجوا من تل السلطان أن الاحتلال أعدمهم ووضعهم في حفرة ودفنهم فيها.. لكنني لم أصدق.. لم أصدق أبدًا!".
في تفاصيل الحدث، وبتاريخ الثاني والعشرين من آذار/ مارس المنصرم، ومع ساعات الفجر الأولى، تحركت سيارات الهلال الأحمر والدفاع المدني، لإجلاء مصابين من منطقة الحشاشين في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
حينها كانت المنطقة تعد ضمن "المناطق الآمنة"، ولم يكن هناك ضرورة للتنسيق مع جيش الاحتلال -وفق الهلال الأحمر- لكن الطاقم بأكمله انقطعت أخباره فجأة!
على مدار ثمانية أيامٍ مرت، جرت محاولات عديدة من قبل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني للتنسيق مع الجيش الإسرائيلي من أجل الدخول إلى رفح للبحث عن الطواقم، دون جدوى، هكذا حتى صبيحة الثلاثين من مارس.
وافق جيش الاحتلال على دخول الطواقم برفقة فريق من الأمم المتحدة "أوتشا"، وهناك كانت الفاجعة.
تضيف والدة رضوان: "انتشلت الطواقم جثمان ابني، واتصلوا على زوجي وأخبرني أن أتجهز للذهاب إلى مستشفى ناصر الطبي".
بصوتٍ يرتجف خوفًا بقيت تلح عليه بالسؤال: "طمني شو خبروك؟ ليجيبها والدموع تنهمر من عينيه: "شهيد".. ثم انهارت بالبكاء.
لم تتمكن والدة رفعت من إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان ابنها، نظرًا لوضعه الصعب، وحتى يبقى في مخيلتها الشاب الجميل الوسيم، لكن والده أصر على رؤيته وتفقد جسده بالكامل.
تتابع: "صدم والده من هول ما رأى، فقد كان رأسه متهشم، ونصف جسده من الرأس حتى القدم بلا معالم، وذقنه غير واضحة".
بقي والده يتحسس ملابسه قطعةً قطعة، حتى وجد هويته الشخصية. تضيف: "ابني كان لابس زيه الرسمي للعمل، وكان واضع في جيبه كل البطاقات الشخصية اللازمة، وهذا خير دليل على كذب مزاعم الاحتلال".
وفي مشهد آخر للجريمة.. في اليوم الرابع بعد سماح الجيش للطواقم بالدخول لأول مرة لمكان الحدث، بحثوا كثيرًا ولم يجدوا شيئًا، وحين أرادوا العودة، أشار إليهم جندي إسرائيلي مختبئ خلف السواتر الترابية على مكان جثة الشهيد والضابط في الدفاع المدني أنور العطار.

تقول زوجته لـ"شبكة نوى": "4 أيام وأنا لا أعرف مصيره، وكانت أول جثة تنتشلها الطواقم هي جثة زوجي، بعد محاولات كثيرة بالبحث بين الرمال عنه".
جريمة متكاملة الأركان، ارتكبها جنود الاحتلال الذين تعمدوا إخفاء كل الأدلة على قتلهم أفراد الطاقم. تتابع: "29 عامًا وزوجي يعمل في الدفاع المدني، كنت أخبره عن خوفي من استشهاده فيرد عليّ في كل مرةٍ قائلًا: "احنا محميين من حقوق الإنسان والمنظمات الدولية معنا.."، تعقب بصوت يملؤه القهر: "كل هادا طلع كذب بكذب.. قتلوا زوجي بدم بارد".
لم تتمكن زوجة الشهيد العطار من رؤية جثمانه، أو طبع القبلة الأخيرة على جبينه، فالمشهد مؤلم لا يتحمله قلب.
تقول: "حكولي قدمه مبتورة، وعلى وجهه ورأسه علامات وآثار جنازير الجرافة"، تعقب باكية: "مخبطين عليه بالجرافة.. فش ملامح".
"لم يكن هناك داعِ للتنسيق مع الجيش الإسرائيلي للدخول إلى رفح، لأن المنطقة كانت ضمن المناطق التي يدعي أنها "آمنة"، وليست منطقة عسكرية مغلقة".
من جهته، قال المتحدث باسم جمعية الهلال الأحمر رائد النمس لـ"نوى": "في بداية الحدث، توجهت سيارة واحدة لرفح، لكن فقد الاتصال بها منذ وصولها لمكان الحدث، فأرسلنا ثلاث سيارات أخرى تضم 10 مسعفين، يرافقهم الدفاع المدني".
أكد النمس أنه لم يكن هناك داعِ للتنسيق مع الجيش الإسرائيلي للدخول إلى رفح، لأن المنطقة كانت ضمن المناطق التي يدعي أنها "آمنة"، وليست منطقة عسكرية مغلقة. مضيفًا: "قبل ساعة من الحدث، انتشلت طواقمنا مصابين من المكان".
"الطواقم جميعها كانت ترتدي الزي الرسمي والإشارات الحمراء الخاصة بالإسعاف، التي كانت مضيئة رغم أن الطريق لا يوجد بها أحد".
وأشار النمس إلى أنه فقد الاتصال في ذلك اليوم، بـ9 مسعفين و6 من الدفاع المدني وموظف آخر تابع للأمم المتحدة.
يتابع: "أعدمهم الاحتلال جميعهم، ما عدا المسعف أسعد النصاصرة، الذي بقي معتقلًا لديهم".
وأكد النمس أن الطواقم جميعها كانت ترتدي الزي الرسمي والإشارات الحمراء الخاصة بالإسعاف، التي كانت مضيئة رغم أن الطريق لا يوجد بها أحد.
وأضاف: "رفعنا كل الأدلة، وأقوال الشهود للجهات القانونية والحقوقية، وطالبنا بلجنة تحقيق دولية مستقلة لمحاسبة المجرمين".
واستشهد 27 شخصًا من طواقم الهلال الأحمر منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر عام 2023م، حسب تصريحات النمس.
























