غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تحملُ صغيرتها بين ذراعيها، وتقف على ناصية الطريق وتنظر إلى ما تبقى من أنقاض جمعية "جذور" للإنماء الصحي والاجتماعي بمدينة جباليا، شمالي قطاع غزة. تسأل بعدما قصف الاحتلال الإسرائيلي العيادة الطبية الوحيدة الموجودة في المدينة: "إلى أين أذهب؟".
تعاني صغيرة عائشة عسلية (٢٥ عامًا)، واسمها غزل (4 سنوات)، من سوء تغذية حاد بسبب مضاعفات فترة المجاعة التي عاشتها في شمالي القطاع.
ودمّر الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة التي شنّها على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول ٢٠٢٣م ، جميع العيادات الطبية الحكومية، التي كان عددها ثمانية، وكانت تخدم ما يعادل ١٥٠٠ مريض يوميًا، ناهيكم عن عيادات وكالة الغوث والمؤسسات الخاصة.

تقول عائشة لـ"نوى": "جذور هي الأقرب لسكني في مدينة جباليا، بعد قصفها اضطررت للتوجه إلى عيادات أخرى بعيدة جدًا، مثل عيادة الشيخ رضوان التي خصصت مؤخرًا لسكان شمالي القطاع عمومًا"، مشيرةً إلى معاناةٍ شديدة في الوصول إليها، بسبب قلة المواصلات وانعدام الوقود.
ووفقًا لمدير "صحة الشمال" في حكومة غزة، الدكتور محمد أبو النور، "فإن عيادة الشيخ رضوان تخدم حاليًا ٥٠٠ حالة يوميًا، بالإضافة إلى عيادة الدرَج أيضًا، التي تخدم نفس الرقم"، موضحًا أن الصحة في غزة تعمل حاليًا على إنشاء مراكز طبية مؤقتة من الخيام؛ لمحاولة سد العجز، وذلك في مدينة بيت حانون، والعطاطرة ، ومخيم جباليا، ومدينة جباليا، ومنطقة الاندونيسي، بالإضافة إلى عيادة الشيماء، التي تقع بالقرب من حدود مدينة بيت لاهيا، وتعمل بشكلٍ جزئي بعد محاولة ترميمها، لتخدم بين ٣٠٠ و٤٠٠ حالة يوميًا.
"حركت الصحة فرقًا متنقلة للتطعيمات الروتينية للأطفال، كما أنها تدعم المؤسسات الشريكة مثل الهلال الأحمر، والإغاثة الطبية، ومراكز جذور في مختلف المناطق بالعلاج، خاصة علاج الأمراض المزمنة".
وكمحاولةٍ لحلّ الأزمة، يضيف: "حركت الصحة فرقًا متنقلة للتطعيمات الروتينية للأطفال، كما أنها تدعم المؤسسات الشريكة مثل الهلال الأحمر، والإغاثة الطبية، ومراكز جذور في مختلف المناطق بالعلاج، خاصة علاج الأمراض المزمنة".
ويتابع: "أنشأنا عيادة متنقلة بين مدينة بيت حانون وجباليا، تستقر في مكان العيادة السابقة، وذلك بالشراكة مع أطباء بلا حدود بلجيكا، إذ تحتوي هذه العيادة على طبيب أطفال وقابلة وأخصائي تغذية، وتقدم العلاجات الطارئة والرعاية الأولية".
وعلى أنقاض منزلها المدمر في حي الصفطاوي، شمالي قطاع غزة، تعيش الستينية إيمان الباشا، التي تعاني من مرض ضغط الدم والتهاباتٍ حادة في الجيوب الأنفية.
تحدثنا بينما هي في طريقها إلى عيادة الشيخ رضوان: "كنت قبل السابع من أكتوبر أتعايش بشكل أكثر سهولة مع المرض؛ بسبب وجود عيادة الوكالة في مكان ثابت قريب من منزلي. كنت أتوجه لطبيب العيادة بشكل منتظم وأحصل على العلاج دون معاناة"، مستدركةً: "أما الآن فأنا أمشي لساعات، أستعين بعتبات المنازل لأخذ استراحة قصيرة، وأتنقل بين عيادة حكومية وأخرى لتأمين العلاج المطلوب".
مؤخرًا أصبحت السيدة تعاني من نوبات مفاجئة من اضطراب الضغط؛ بسبب صعوبة الحصول على العلاج والمشي لساعات طويلة.
أما ميساء جودة، التي تبلغ أربعين عامًا من العمر، فتعاني من اضطرابات عصبية ونفسية وتحتاج لعلاج مزمن للأعصاب.
تستعين ميساء بأخيها الأصغر سنًا؛ ليبحث لها عن علاجها داخل العيادات، "قبل أن ينتهي علاجي بثلاث أيام أو أربعة، ولكن البحث عن العلاج يستغرق أيامًا طويلة قد تزيد على ذلك بكثير".
وتكمل ميساء: "مؤخرًا انقطع علاج التشنجات من عيادة الشيخ رضوان وعيادة الدرج، أصبحتُ أعاني من التشنجات بعد قصف منزل ملاصق لمنزلي في مدينة جباليا، وبعد عملية البحث أحضر لي أخي بديلًا، لكنني خفت من تناوله، فعاد أخي يبحث عن العلاج الأصلي، حتى وجده، لكن بسعر مرتفع للغاية".

اصطحبتنا ميساء إلى خزانة داخل غرفة نومها، خصصتها لأدويتها، وأضافت: "قبل الحرب لم أكن أحتاج كل هذا العلاج، ولكن بسبب بقائي في الشمال، وتواجدي بأماكن قريبة من الاجتياحات البرية والقصف، تعرضتُ لصدمة عصبية أودت بصحتي".
وفي معمعة قطع التذاكر، وحجز الدور، كان محمود شعبان (76 عامًا)، من معسكر جباليا، يحاول أن يحصل على تذكرة كي ينهي يومه الشاق مبكرًا.
يقول: "توجهت إلى عيادة الشيخ رضوان، وقطعت نصف الطريق مشيًا على الأقدام في محاولة لتخفيف تكلفة المواصلات المرتفعة".
أخرج من جيبه التذكرة، وأشار لها فرحًا: " هذه المرة الأولى التي أحصل فيها على دور برقم قريب. عادةً أنتظر لساعات بسبب عدد الحالات الكبير"، مضيفًا: "كنت في السابق أُرسل أحد أبنائي مرة في الشهر لإحضار العلاج لشهر كامل، ولكن بسبب بعد مسافة العيادة وانشغال أبنائي في توفير المياه والطعام، اضطر للذهاب بنفسي، علمًا بأن بعض العلاجات غير متوفرة دائمًا، فأضطر لشرائِها".
























