غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قوم احكي.. إنت اللي تحكي للعالم"، هكذا كان والد الصحفي محمد منصور ينادي ابنه المُسجّى شهيدًا.
كان يصرخ كي يصحو، ويتوسله أن يُسمع صوته للعالم بأسره، غير واعٍ بأن "إسرائيل" غيّبته للأبد!
لم يعرف محمد طعمًا للراحة منذ عامٍ وأكثر، بحكم عمله مراسلًا لقناة فلسطين اليوم، الذي حتم عليه التواجد في الميدان 24 ساعة، وحين أراد أن يعيش ذلك لثوانٍ معدودة، باغتته الطائرات المسيرة الإسرائيلية بثلاثة صواريخ تباعًا.
يقول والده لـ"شبكة نوى": "قصفت الطائرة البيت الذي استأجره محمد بصاروخ استطلاع فأصيب وزوجته بجروح متفاوتة، وحين تطايرت ألواح الزينقو رصدته الطائرة حيًا، فألقت صاروخًا ثانيًا، ثم ثالثًا حتى ارتقى شهيدًا".
غاب صوت الصحفي محمد منصور عن العالم في الدقيقة الرابعة والخمسين من الساعة الثانية عشر ظهرًا بتاريخ 24 آذار/ مارس الماضي، أمام عالمٍ أصم ناشده بصوته الذي بُح لأكثر من عام ولم يحرّك ساكنًا.
يضيف والده: "لحظة استهدافه، شعرت وكأنّ القصف لي. نخزَني قلبي وقلت والله القصف هادا لمحمد".
هرعَ والد محمد للمكان الذي استأجره نجله في خان يونس بعد نزوحه من مسقط رأسه رفح، ووجد الناس مجتمعين هناك، يضيف: "خفت من الاقتراب، بقيتُ مكاني وأمسكتُ هاتفي وأخذتُ أتّصل عليه، ما طمأن قلبي أن هاتفه كان مفتوحًا، رننت عليه كثيرًا لكنه لم يُجِب".
استجمَع والد محمد قواه، واقترب، وهناك رأى الفاجعة التي لم يتحملها قلبه. يخبرنا والدموع تنهمر من عينيه: "وجدتُ محمدًا غارقًا بدمه، لم أعرف ماذا أفعل، أخذت أصرخ كي يساعدني في انتشاله أحد"، معقبًا: "شعرتُ بالعجز والقهر، راح محمد وتركني".
محمد بِكر والديه، ونور عينيهما، والشخصية النادِرة التي كانا يخافا أن يفقداها يومًا، لكن ما خشيَاه حدثَ بالفعل، يقول والده: "كان محمد يعود من عمله بوقت متأخر ويخرج في الصباح الباكر ونحن نيام، لا نراه كثيرًا، وكنا على شوقٍ دائمٍ لجلساته وروحه المرحة".
"والله ما شبعنا منه.. ما لحقنا نفرح فيه"، متسائلاً بقهر: "كنت أشتاق له وهو بعمله.. فكيف الآن وأنا أعلم أنني لن أراه مرة أخرى؟".
وعن الشوق الذي لم ينتهِ، يتابع والده: "والله ما شبعنا منه.. ما لحقنا نفرح فيه"، متسائلاً بقهر: "كنت أشتاق له وهو بعمله.. فكيف الآن وأنا أعلم أنني لن أراه مرة أخرى؟".
وأثناء حديث مراسلة "نوى" مع والد محمد، قطعَ شقيقه الكلام، وأخذ يلقي بما جال في خاطره تباعًا. قال: "قبل استشهاده بيوم واحد فقط، أخبرني أنه يريد شراء كمية كبيرة من القهوة، فأبديت استغرابي لذلك وبقيت ألح عليه بالسؤال لماذا يريد هذه الكمية من القهوة. أصرّ عليَّ قائلًا: "بنشتريها، وبيجيها يومها..".
يضيف: "لم أعلم أنه قام بشراء القهوة لعزائه، وكأنه كان يشعر باقتراب رحيله عن الدنيا".
أما محمد في عيون رفاقه، فكان الأصيل، الطيب، صاحب الروح الجميلة، والمواقف الحسنة، الذي يملك القدرة على تحويل خوف كل من هم حوله إلى مزاح وضحك.
"هي عملية اغتيال بحتة ومتكاملة الأركان، إذ استهدفه الاحتلال ببيته وليس في مكان عمله".
هذا ما أكده زميله الصحفي إبراهيم إبراهيم، الذي أخذ يروي لـ"شبكة نوى" آخر لحظاته معه: "كنا دومًا في الميدان سويًا. عِشنا الخوف والجوع والنزوح معًا، وحتى آخر لحظات استشهاده عشناها معًا قبل أن يذهب لبيته كي يبدّل ملابسه"، يضيف: "لم أتخيل أن أفقده.. خبر استشهاده كان صادمًا لنا جميعًا".
تعمّد الاحتلال الإسرائيلي قتل محمد، وخير دليل استهدافه المُتكرّر حيث كان يناشد ويصرخ على الجيران لإنقاذه، لكن باغتته الطائرات بصاروخين آخرين.
وعن ذلك، قال إبراهيم: "هي عملية اغتيال بحتة ومتكاملة الأركان، إذ استهدفه الاحتلال ببيته وليس في مكان عمله".
وأضاف متسائلًا: "ثلاثة صواريخ لقتل صحفي.. أين العالم عن هذه الجريمة؟"، مؤكدًا أن ما حدث لمحمد لم يضعف عزيمتهم، بل زادهم إصرارًا على المواصلة من أجل فضح جرائم الاحتلال حتى الرمق الأخير.
"ثلاثة صواريخ لقتل صحفي.. أين العالم عن هذه الجريمة؟".
وعن أكثر اللحظات التي شعر بمحمد فيها ينبض فرحًا، يستذكر إبراهيم: "يوم وقف إطلاق النار بغزة، خلعنا الدرع والخوذة وحضنّا بعضنا. لا يمكن وصف سعادة محمد لحظتها".
محمد كان من أكثر الأشخاص طُموحًا، إذ حصل على ثلاث درجات علمية في عمر الثلاثين، وكان على وشك الانتهاء من إكمال رسالة الدكتواره، لكن الحرب حالت دون ذلك.
أما حلمه الأكبر، فكان يتمنى أن تنتهي حرب الإبادة على قطاع غزة، التي بدأت منذ السابع من أكتوبر 2023م، وأن يرى حبيبته غزة وقد أنعم الله عليها بالأمن والسلام، حرةً دون قهرٍ واحتلال.
























