غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يدير بيديه يمينًا وشمالًا مُحرّك الجرافة، ويتجه نحو الركام. يحاول جاهدًا الضغط على المحرك بقدمٍ واحدة ليزيله، بينما الأخرى مبتورة، لم تتماثل للشفاء بعد.
يُحاول الجريح إبراهيم أبو عويضة (33 عامًا) العودة للحياة من خلال عمله الذي يحب، رغم فقده قدمه وطفليه في قصف إسرائيلي استهدف منزلهُ بمدينة غزة.
يقول لـ"شبكة نوى": "أعمل في المهنة منذ أكثر من خمس سنوات، وحين بتر الأطباء قدمي في يناير من العام الماضي عدت لعملي بعد ثلاثة أشهر، ورغم أن جرحي غائر، إلا أنني أصرّيت على إكمال الطريق".
يعمل أبو عويضة في إزالة ركام قطاع غزة، وتنظيف الشوارع والطرقات، كذلك حفر المقابر وتركيب خطوط المياه والصرف الصحي، والمشاركة في التجهيز لإقامة مستشفيات ميدانية.
عاد أبو عويضة لعمله في نيسان/ إبريل من العام الماضي بعد غياب شهور، حيث كانت مهمته حفر القبور في مدينة رفح قبل اجتياحها.
يعبر عن شعوره في ذلك اليوم بالقول: "لم تسعني الفرحة. أخيرًا لعدت لعملي الذي أحدبه، ووجدت الجميع يشجعني ويدعمني للمواصلة".
وبينما كان منهكًا في العمل بيومه الأول بعد العودة، ورده اتصالٌ قلبَ موازينه وأعاده لنقطة الصفر من جديد. يستذكر وعيناه تذرفان الدموع: "أخبروني أن الاحتلال جرف مقبرة مستشفى الشفاء بالكامل، ووجدوا جثمان ابني حسن ودفنوه، لكنهم لم يجدوا جثمان ابنتي ميرا".
يضيف وقلبه مملوء بالقهر: "حتى اللحظة لا أعرف أين جثمانها؟!".
إذًا ما الذي دفعك للعودة إلى العمل رغم تعبك النفسي والجسدي، يجيب: "حبي الشديد إليه، كذلك حاجتي الكبرى لمصدر رزق يعيلني خاصة وأن الحرب الإسرائيلية ضاعفت من معاناتنا.. الأسعار في الأسواق خيالية".
يعقب متسائلاً: "إذا أنا ما خدمت بلدي.. مين حيخدمها؟"، مضيفًا: "نحن أولى الناس بها، وسنعمرها جميعًا يدًا بيد".
كل شيء في قطاع غزة تدفع ثمنه من دمك وروحك، لذلك العودة للحياة فيها ليس بالأمر الهين، إذ واجه أبو عويضة صعوبات ومخاطر جمة أثناء عمله.
يروي: "كنت متعود أضغط على محرك الجرافة بقدمين لكن اليوم بحاول أتعايش مع إنه عندي قدم واحدة، وأنفذ نفس المهام وفق المستجد".
يحكي عن العقبات التي تعيق عمله على الجرافة بعد فقدانه لقدمه، فيقول: "عدم قدرتي على الوقوف لتفقد السولار والمياه والزيت بداخل الجرافة".
ويكمل: "وضع مديري شخصًا آخر يساعدني في تلك المهام. الجميع في العمل كان يدعمني ويشجعني لأستمر، لذلك أنا ممتن لهم جميعًا".
يعود أبو عويضة في شريط الذاكرة إلى ذلك التاريخ المُر، حين رفض الانصياع لأوامر الجيش الإسرائيلي بالنزوح إلى الجنوب، وبقي داخل منزله في حي التفاح.
يخبرنا: "في صباح السابع عشر من ديسمبر/ كانون أول 2023م، قصف الاحتلال منزلي بثلاثة صواريخ. استشهد طفلي حسن وابنتي ميرا، فيما أصبتُ أنا وطفلتي الثانية وزوجتي".
"كانا الحياة التي حلمت بها طوال حياتي. لا شيء يعوض ضحكاتهما كلما عدت من العمل، ولن يعوضني شيء عن خسارتي لقدمي أيضًا".
لم يكن استشهاد طفليه هينًا على قلبه الذي لم يتحمل أن يرى اسميهما في قائمة الشهداء الذين ارتقوا ولن يعودوا. "كانا الحياة التي حلمت بها طوال حياتي. لا شيء يعوض ضحكاتهما كلما عدت من العمل، ولن يعوضني شيء عن خسارتي لقدمي أيضًا".
ونتيجة خروج مستشفيات مدينة غزة عن الخدمة أثناء اجتياح الاحتلال للمدينة، اضطر أبو عويضة للنزوح إلى الجنوب برفقة من تبقى من أفراد عائلته، في انتظار فرصةٍ للعلاج في الخارج، حيث يعاني من مضاعفات البتر، ويحتاج إلى تركيب طرف صناعي.
























