شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 21 مايو 2026م14:54 بتوقيت القدس

فلسطينيون يروون معاناتهم بين الضفة وغزة..

انقسام "المؤسسات".. منظومة مفككة وخاسرٌ "واحد"!

دعوات لتوحيد الجهود في اتجاه دعم صمود المواطنين في شقي الوطن
24 مارس 2025 - 15:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد 23 يومًا من العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، عام 2008م، أفاق المزارع خالد عرفات على أول صدمة قضت على أرضه الزراعية بمحاصيلها الممتدة على مساحة 30 دونمًا، فيما تعرض بئره (الحاووز الخاص بأرضه)، الذي كان يمد بالمياه نحو 100 مزارع، لأضرار بليغة.

تسببت الحرب بخسائر كبيرة في أرضه التي زرعها بمحاصيل البطاطس والطماطم والباذنجان والبقدونس والجرادة والسبانخ، ولم تنته المأساة هنا، فبعد محاولته إعادة زراعتها وإصلاح البئر، قام الاحتلال برش المواد السامة على المحاصيل فاحترقت بالكامل.

مع كل عدوانٍ إسرائيلي يستهدف قطاع غزة، كانت أرض عرفات، الواقعة شرقي محافظة خان يونس جنوبًا تقاوم الاقتلاع، يتجذر عرفات بأرضه ومهنته التي ورثها عن والده كل مرةٍ فيجد مأساته تتفاقم أكثر مع كل عدوانٍ جديد، حيث تتعرض الأرض للتجريف والاقتلاع.

هذا تسبب بتراكم الديون عليه لصالح تجار المبيدات والبذور والأشتال، في حين أنه لم يحصل على أية تعويضات من وزارتي الاقتصاد والزراعة؛ لينتهي به المطاف بالسجن لمدة 70 يومًا، بسبب عدم قدرته على تسديد ديونه للتجار.

يقول عرفات لـ "نوى" بنبرة مليئة بالقهر: "نحن المزارعين عشنا بمعركة دائمة مع الاحتلال، وفي كل مرة كانت تُجرّف بها الأرض، نعيد زراعتها، وكل ذلك كان يتم على نفقتنا الخاصة، أو بتحمل ديون جديدة، على أمل الحصول على تعويضات. عندما كانت الفرق الفنية لوزارة الزراعة التي تقوم بحصر الأضرار تسجل الأضرار التي لحقت بي، كنتُ أعرف تمامًا أن ما يُكتب لن يتجاوز كونه حبر على ورق، وأن تعويضنا حلم بعيد المنال طالما أن مؤسساتنا متفرقة، ووجهة الدعم أيضًا كذلك".

ورغم الأضرار والخسائر الكبيرة التي لحقت بعرفات في العدوان الأول 2008م، عاش صدمةً جديدة عام 2014م، ويستذكر: "أعاد جيش الاحتلال تجريف الأرض بالكامل وقصف الخزان الكبير، وأحرقوا المولد، ويومها ساعدتنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإعادة تأهيل البئر، وهذا هو التعويض الوحيد الذي حصلت عليه".

وبعد فترة من الهدوء استمرت لعدة سنوات، عاد خلالها عرفات لحرث وزراعة أرضه، لكن الحرب التي استخدمها جيش الاحتلال كانت من الجو، يوضح "بدأت معركة أخرى برش المواد السامة على السياج الفاصل شرقي غزة، التي كان يصل تأثيرها لكيلو متر أو أكثر داخل عمق القطاع، فتقضي على مساحات شاسعة من الأراض".

ويضيف: "بعد عملية الرش بواسطة طائرات إسرائيلية وخلال 48 ساعة كنت أجد الأرض محترقة بالكامل".

بناءً على تجاربه السابقة، لا يظن عرفات أنه سيحصل على تعويض، ويقول بغضب: "جميع الأطراف يبيعوننا الأمل. منذ عام 2008م ونحن نسمع عن تعويضات، لا وزارة الزراعة عوضتنا، ولا وزارة الاقتصاد التي أحصت أضرارنا عام 2014م عوضتنا".

عن سجنه نتيجة عدم الحصول على تعويض، كانت إجابته مليئة بمرارة الخذلان الذي تعرض له: "كوني مزارع فأنا أعتمد على شراء المواد اللازمة للزراعة ومن ثم أقوم بتسديد ثمنها من عائد الانتاج، بالتالي عندما يتم تدمير المحصول ولا نجد من يعوضنا فلا يمكن تسديد ثمن الشيكات، لذلك تعرضت للسجن فلم يفهم القضاء كل ما قدمته من أوراق ثبوتية توثق الخسائر التي تعرضت لها، وكان السجن أكبر شيء صادم لي".

وإن كانت العدوانات الإسرائيلية السابقة على قطاع غزة، تركت لعرفات فرصةً كي يستعيد فيها عافيته ولو لوقتٍ قصير، فإن حرب الإبادة، التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول  2023م،حصدت كل شيء، فدُمر البئر بالكامل، ولم يتبق أي معالم للأرض كما يؤكد.

يخبرنا: "دمروا منظومة الطاقة الشمسية البالغة 135 لوحًا"، مقدرًا خسائره الإجمالية بنحو ربع مليون دولار.

وبناءً على تجاربه السابقة، لا يظن عرفات أنه سيحصل على تعويض، ويقول بغضب: "جميع الأطراف يبيعوننا الأمل. منذ عام 2008م ونحن نسمع عن تعويضات، لا وزارة الزراعة عوضتنا، ولا وزارة الاقتصاد التي أحصت أضرارنا عام 2014م عوضتنا، وفي كل عملية تسجيل للأضرار يطلبون أوراقًا وعقودًا وإثباتات ملكية، نقدمها لكن كل ما يقدم لنا حبر على ورق".

ويرى أن الانقسام بين المؤسسات الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة، كان له تأثير مباشر بما حدث معه، ومع كافة المزارعين في قطاع غزة، ملفتًا إلى حصول مزارعين على تعويضات من وزارة الزراعة برام الله قبل عامين، "بعضهم لم يكن لديه أراض زراعية وإنما حدائق منزلية" على حد تعبيره.

حرمان من السفر

وكما حرم انقسام المؤسسات المزارعين من تحصيل حقوقهم، كان له آثار كبيرة في قطاع الصحة سواء قبل حرب الإبادة على غزة أو خلالها، فمثّل ملف المصابين والجرحى أحد المآسي الكبيرة في غزة.

منذ بداية الحرب ومع اشتداد مرض سرطان المعدة على عنود ريان (30 سنة)، لم تتوقف محاولات زوجها لإجراء تحويلة سفر عاجلة، كي يتم السيطرة على المرض الذي أصابها في الثالث عشر من يوليو/ تموز 2023م، وكان مقررًا سفرها في الثامن من أكتوبر/ تشرين أول من نفس العام للعلاج بالضفة، لكن ظروف الحرب، وإغلاق المعابر، منعت سفرها، لتبقى فريسة نقص الدواء والمرض الذي لم يرحمها.

وبعد مناشدات متواصلة من العائلة، شارك فيها صحافيون وناشطون حتى باتت قضيتها رأيًا عامًا في قطاع غزة، إثر تفاقم حالتها بشكل هدد حياتها نتيجة تأخر سفرها على مدار عدة أشهر، استجيب للمناشدة وسافرت، لكن "بعد فوات الأوان كون المرض انتشر في جسدها" يقول زوجها لـ "نوى".

عن متاعب كبيرة ومناشدات طويلة، يضيف: "توجهت لكافة المسؤولين، فتواصلت مع وزارة الصحة برام الله، التي أخبرتني أن ملف السفر مرتبط بوزارة الصحة بغزة، بينما قالت الأخيرة إن الأمر ليس بيدها، ودُرنا في تلك الدوامة بين مسؤول وآخر"، مشيرًا إلى "وجود حالت أصيبت، وسافرت خلال أيام، وها يثير علامات استفهام" على حد قوله.

وما يزيد من تعجب الزوج، أنه وبعد ثلاثة أيام من تحوّل قضية عنود لقضية رأي عام، حدثت الموافقة وأُدرج اسمها بكشوفات السفر. يتقلب الوجع بين نبرات صوته فيكمل: "سافرت في 14 يوليو/ تموز 2024م إلى مصر، ومن ثم إلى قطر، بعد سبعة أشهر من المناشدة، وغياب العلاج، وانتشار المرض، بحيث لم تعد تستجب للمسكنات. كانت حالتها متدهورة وتوفيت في 21 يناير/ كانون ثاني 2025".

"سافرت عنود إلى مصر، ثم إلى قطر، بعد سبعة أشهر من المناشدة، هذا أدى إلى انتشار المرض في جسدها. كانت حالتها متدهورة نتيجة تأخير علاجها، وتوفيت في 21 يناير/ كانون ثاني 2025".

تركت زوجته فراغًا كبيرًا داخل البيت، وتركت له طفلتين صغيرتين يتحمل مسؤولية تربيتهن، رغم أنها حاولت مقاومة المرض على أمل أن تلتقي العائلة وتجتمع، "لو استطاعت السفر منذ البداية ربما لجرى إسعاف حالتها والسيطرة على المرض" يختم.

وإن كانت المريضة السابقة، قد توفيت بعد "فوات الأوان"، فإن الخطر يهدد حياة الطفلة ملاك الزوارعة (سنتان) حتى الآن، إذ تعاني من مرض وراثي جيني يسمى "الانحلال الجلدي"، ويتسبب بحروق على شكل حبوب تظهر بأطرافها وجلدها وبداخل عينيها، فيما لم تنجح أمها في سفرها للخارج.

يملأ اليأس صوت  الزوارعة الأم، وهي تتحدث لـ "نوى"، فتقول: "توجهتُ لمستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط القطاع، لطلب إجراء تحويلة سفر للعلاج في الخارج كون الأطباء أفادوا أنه يمكن علاجها في مصر أو تركيا أو أمريكا، لكن طلبوا مني الانتظار لوجود طابور من المصابين الذين ينتظرون السفر، رغم أن حالتها لا تستدعي التأخير وتتفاقم يومًا بعد آخر نتيجة عيشنا في خيمة، وبت أخشى على حياتها".

أما هيفاء الأسطل، التي أصيبت بمرض "التصلب اللويحي" فحاولت إنشاء جمعية تعنى بالمرضى بهذا المجال، فكان انقسام المؤسسات حائلًا أمام ذلك.

تحكي لـ "نوى": "قمت بتجميع نحو 80 مريضًا، وبدأت بمحاولة إنشاء الجمعية، لكن وزارة الصحة بغزة طلبت مني التواصل مع وزارة الصحة برام الله لنيل الاعتماد، والأخيرة رفضت الطلب متهمةً إياي بالانتماء لحركة حماس.. بعيدًا عن كل تلك التفاصيل، ما ذنب المرضى؟".

مرضى التصلب اللويحي يحتاجون إلى رعاية خاصة ومستلزمات طبية، وأدوية باهظة الثمن متواجدة في خارج فلسطين، "ولهذا حاولت تأسيس جمعية تُعنى بهم، لكن حتى هذه المحاولة وأدها انقسامنا في مهدها".

عن المرض، تقول: "التصلب اللويحي هو تلف عصب بالمخ، قد يؤدي إلى شلل أو فقدان النظر، وهذه الحالات بدأت تكتشف في القطاع بعد استخدام جيش الاحتلال للفسفور الأبيض، وربما وصل العدد لمئات المصابين، وهم يحتاجون إلى رعاية خاصة ومستلزمات طبية، وأدوية باهظة الثمن متواجدة في خارج فلسطين، ولهذا حاولت تأسيس جمعية تعنى بهم، لكن حتى هذه المحاولة وأدها انقسامنا في مهدها".

تضارب قرارات

وأثّر الانقسام الفلسطيني بشكل بالغ، وفق مدير المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة إسماعيل الثوابتة على مختلف القطاعات الحيوية، حيث تسبب في ضعف التنسيق المؤسسي، وعرقلة تنفيذ السياسات الوطنية الشاملة، وأدى إلى تضارب القرارات وازدواجية الأنظمة الإدارية، مما انعكس سلبًا على الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأكد الثوابتة لـ "نوى" أنه في قطاع الصحة، أدى الانقسام إلى نقص الإمدادات الطبية بسبب تضارب آليات توريدها، وانخفاض مستوى التنسيق في تقديم الخدمات الصحية، ما أثر على قدرة المستشفيات على تلبية الاحتياجات المتزايدة، خاصة في الأزمات والكوارث.

"الوحدة المؤسساتية، ضرورة وطنية ملحة، تتبع الوحدة السياسية، وحجر الأساس في بناء نظام إداري متكامل، يخدم أبناء الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن أي تجاذبات".

ولفت إلى أنه في قطاع الزراعة، تسبب غياب سياسات زراعية موحدة في ضعف التخطيط الاستراتيجي، وعرقلة دعم المزارعين، وغياب خطط الاستصلاح الزراعي المتكاملة، مما أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد في ظل الأزمات.

وفي قطاع التنمية، بحسب الثوابتة أيضًا، أعاق الانقسام تنفيذ برامج التنمية المستدامة والمشاريع الاقتصادية الكبرى، مما زاد من معدلات البطالة والفقر، وأضعف الاستثمارات المحلية والدولية، في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى جهود متكاملة لتعزيز النمو الاقتصادي.

وحول الوحدة المؤسساتية، عدّها ضرورة وطنية ملحة، تتبع الوحدة السياسية، وحجر الأساس في بناء نظام إداري متكامل، يخدم أبناء الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن أي تجاذبات، وقال: "هذه الوحدة يجب أن تستند إلى المهنية والكفاءة، بعيدًا عن أي محاصصة، بحيث تكون المؤسسات قادرة على أداء مهامها بفاعلية في خدمة أبناء الشعب الفلسطيني كافة".

وشدد "نحن نؤمن بأن وحدة المؤسسات تعني وجود رؤية وطنية موحدة، وأنظمة إدارية وقانونية موحدة، وهذا ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة لأبناء الشعب الفلسطيني، ويعزز ثقة المجتمع الدولي بالشراكة مع المؤسسات الفلسطينية".

"العدوان الإسرائيلي على القطاع وشمالي الضفة الغربية، يجب أن يكون دافعًا لطي صفحة الانقسام الموجودة باتجاه وحدة المؤسسات، وبالتالي دعم المجتمع الفلسطيني وتحسين جودة الخدمات المقدمة إليه".

بدوره، يؤكد مدير مركز الاتصال الحكومي برام الله محمد أبو الرب، أن وحدة المؤسسات الوطنية ليست خيارًا بل هي واجب، لإقامة سلطة واحدة ممتدة في الضفة وغزة، "وهذا سيساهم بلا شك في تعزيز المشروع الوطني للتحرر والاستقلال وتعزيز جودة الخدمات المقدمة".

وأكد أبو الرب لـ "نوى"، أن للانقسام تأثيرات سلبية أعاقت جهود الحكومة الفلسطينية في تنفيذ كل تدخلاتها الواجبة بالقطاع، قائلًا: "الحكومة مسؤولة عن خدمات الصحة والتعليم بالدرجة الأساس في القطاع، وهاتين المؤسستين لم تشهدا انقسامًا كبيرًا مقارنة ببقية المؤسسات التي تعددت فيها الأجسام".

وأضاف: "استمرت الحكومة في تحويل مخصصات أبناء شعبنا بمتوسط شهري بلغ 275 مليون شيقل، ودعم الطاقة، والهيئات المحلية والبلديات عبر صندوق إقراض البلديات، وقد حاولنا التغلب على تعدد الأجسام الموازية بغزة، من خلال تحويل المخصصات وإقامة مشاريع البنية التحتية"، مشددًا على أن العدوان الإسرائيلي على القطاع وشمالي الضفة الغربية، يجب أن يكون دافعًا لطي صفحة الانقسام الموجودة باتجاه وحدة المؤسسات، "وبالتالي دعم المجتمع الفلسطيني وتحسين جودة الخدمات المقدمة إليه في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها أبناؤه على امتداد الوطن".

كاريكاتـــــير