غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان الأسير المحرر أحمد دهيدي الذي ينحدر من بلدة "عرّابة"، قضاء مدينة جنين بالضفة الغربية، واحدًا من الأسرى الذين عاشوا تفاصيل "العذاب" خلال 22 عامًا ونصف قضاها متنقلًا بين سجون الاحتلال، قبل أن يفرج عنه ضمن المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة، وإبعاده إلى جمهورية مصر العربية.
يعزو دهيدي صموده طوال تلك الفترة إلى "أن الأسرى من مختلف الفصائل الفلسطينية، كانوا على يد رجلٍ واحد، ولولا ذلك لما تمكنا من مواجهة ممارسات وعنصرية مصلحة السجون" يقول.
يتحدث دهيدي الذي اعتقل في الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران عام 2003م، وحُكم عليه بالعديد من المؤبدات، عن محاولاتٍ "لا تنطفئ" لبث الفرقة بين الأسرى وتمزيق لحمتهم عبر نقلهم من سجنٍ إلى آخر"، قائلًا: "كانت وحدتنا داخل الأسر تقهرهم، وكل المعارك التي خضناها مع إدارة السجن لانتزاع حقوقنا كانت تنتهي بانتصارنا نحن، لأننا كنا نلتف حول قرارات موحدة، أساسها إنهاء حالة الظلم الصعبة ضدنا خلف القضبان".
ووفقًا للعديد من الأسرى الفلسطينيين المحررين، فإن الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية، يشدون أزر بعضهم البعض، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، أو حتى المعتقدات الفكرية والعقائدية. "كانوا ينظرون إلى هدف الاحتلال الموحد ضد الكل الفلسطيني، فيتغافلون عن أي فروق، ويقفون وقفة رجلٍ واحد إزاء قسوة وظلم ذلك السجان" يعقب دهيدي.
ويزيد: "لو أن صورة الوحدة التي رسمناها لنا داخل الأسر تتحقق خارجه، لما كان هذا حالنا الآن في الضفة وغزة على حد سواء".
وخلف أقبية الظلم الإسرائيلي، عاش الأسير المحرر وائل قاسم، الذي تنحدر أصوله من قرية سلوان جنوبي المسجد الأقصى، ظروفًا غايةً في القهر، تمامًا مثل باقي الأسرى الفلسطينيين هناك، "الذين رسموا من خلال وحدتهم الوطنية، صورةً لمقاومة الإجرام الإسرائيلي، لا يمكن تكرارها" يعقب.
واعتقلت قوات الاحتلال "قاسم" في الثامن عشر من أغسطس/ آب لعام 2002م، وحكمت عليه بالسجن 35 مؤبدًا و50 سنة، أمضى منها 23 سنة، إلى أن أُفرج عنه أيضًا ضمن المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار في غزة، بتاريخ التاسع عشر من يناير/ كانون الثاني 2025م، وأُبعد إلى مصر.
تنقل "قاسم" خلال فترة أسره بين مختلف سجون الاحتلال، إلى أن انتهى به المطاف بعد 14 عامًا في سجن رامون، الذي تركه فقط يوم تحرره، حسبما يذكر.
"هناك تنسيق مستمر بين الفصائل الفلسطينية داخل السجون، خصوصًا عند مواجهة ظلم السجان الإسرائيلي، "وذلك في سبيل كسر شوكة إدارة السجون".
يؤكد قاسم لشبكة "نوى"، أن هناك تنسيق مستمر بين الفصائل الفلسطينية داخل السجون، خصوصًا عند مواجهة ظلم السجان الإسرائيلي، "وذلك في سبيل كسر شوكة إدارة السجون".
ويروي أن أبرز المواقف التي تجسدت فيها وحدة الأسرى، هي خوض الإضرابات الجماعية لتحقيق عدة مطالب تهدف إلى تحسين أوضاعهم داخل السجون، "فكان يُكتب لها الانتصار نتيجة الالتفاف حول القرارات الموحدة".
ويبين أن الإضراب الجماعي كان الوسيلة الأقوى للتعامل مع إدارة السجون لتحقيق مطالب الأسرى وانتزاع حقوقهم، "وكانت هذه أكبر صور الوحدة داخل سجون إسرائيل"، مشيرًا إلى أن أبرز الخطوات التصعيدية كانت "إعادة وجبات الطعام أو عدم الخروج إلى الفورة، كإشارة لإدارة السجون بعدم قبول الأسرى لقراراتها".
والحال نفسه، عاشه الأسير بشار شواهنة، الذي اعتقله الاحتلال في 20 أغسطس/ آب 2003م، وحكم عليه بالسجن 28 سنة، تنقّل خلالها بين السجون الإسرائيلية، وعاش تفاصيل عذاب لا تفارقه حتى اللحظة.
يقول شواهنة الذي أفرجت عنه سلطات الاحتلال، أيضًا ضمن المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار في غزة، بتاريخ 1 فبراير 2025م، بعد أن أمضى 21 عامًا ونصف خلف القضبان: "جميع الأسرى من كافة الأطياف الفكرية والحزبية معتقلون على نفس القضية والهدف، وهو "الانتماء للوطن والدفاع عنه"، وهذا وحده كان يذيب أي اختلاف، ويعيد الأسرى إلى حلقةٍ مغلقة من القناعة بأن التضحية واحدة، والعذاب واحد، والمصير واحد، فكيف تفرقنا السياسة؟".
وحدة الأسيرات
أما الأسيرة المحررة رولا حسنين، فتحدثت عن وحدة الأسيرات داخل سجن "الدامون"، "وهو الأمر الوحيد الذي كان يهون علينا قسوة ما نتعرض له على أيدي المجندات هناك".
تقول حسنين التي اعتقلها الاحتلال في التاسع عشر من مارس/ آذار 2024م، بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي: إن "الأسيرات في سجن الدامون يعشن ظروفًا قاسية، خصوصًا في ظل تكدس عددهن الذي يتجاوز الـ 100، علمًا بأن السجن لا يتسع لأكثر من 36 أسيرة".
وأمضت "حسنين" عشرة شهور بين زنازين "الدامون"، إلى أن أفرج الاحتلال عنها في التاسع عشر من يناير/ كانون الثاني الماضي، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.
وتؤكد حسنين لـ "نوى" أن الاحتلال يتعامل بقسوة مطلقة مع كل الأسيرات، لكنهن جسدنَ نموذجًا للوحدة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحركة الأسيرة، وتسرد موقفًا عايشته في "الدامون"، إذ أضافت: "في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر الماضي، قررت إدارة السجن عزل الأسيرة عبلة سعدات زوجة الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، في زنزانةٍ بعيدة، تتبع للأسرى الجنائيين. كلنا رفضنا الخطوة، وقررنا إرجاع وجبة العشاء كخطوة احتجاجية، وهذا بالطبع لم يرق لإدارة السجن".
وتزيد: "كانت هذه الخطوة تعني أن كل محاولات الاحتلال في تمزيق صفنا داخل الأسر فاشلة. كلنا دون استثناء قلنا لا لنقل الأسيرة سعدات، وهذا ما دفع مصلحة السجون لشن هجمة قمع ممنهجة طالتنا جميعًا، تخللها مصادرة ملابسنا وكل مستلزماتنا الخاصة".
"إدارة السجون كانت تجري تحقيقات بين فترة وأخرى مع الأسيرات، لتعرف من يقود القسم، ومن تُصدر القرارات للأسيرات".
وتشير إلى أن إدارة السجون تحاول دائما بث الفرقة بين الأسيرات عبر عزلهن في زنازين انفرادية وأقسام أخرى، لكنها تفاجأ في كل مرة، من حجم التعايش وعلاقة الترابط بينهن، موضحةً أن وحدة الأسيرات كانت تشكل "عاملًا مقلقًا" لمصلحة السجون، "وهذا ما يدفع الاحتلال لمنع أي جهود للوحدة الفلسطينية السياسية والجغرافية الكاملة" تعقب.
وتضيف حسنين، أن "إدارة السجون كانت تجري تحقيقات بين فترة وأخرى مع الأسيرات، لتعرف من يقود القسم، ومن تُصدر القرارات للأسيرات"، ملفتةً إلى أن هذا كله إن دل على شيء فيدل على "خطورة وحدة الصف الفلسطيني على كينونته المحتلة، داخل السجون"، متساءلةً: "فما بالنا ونحن نتحدث عن ضرورة عودة اللحمة الفلسطينية الشاملة؟".
























