شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م14:34 بتوقيت القدس

أهالي المدينة يدعون لـ"وحدة فلسطينية" تدعم تضحياتهم..

الصمود في "القدس".. درعُ القضية!

17 مارس 2025 - 08:40

القدس- غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

رغم المؤامرات الإسرائيلية الشرسة التي أحيكت ضده، ما زال المقدسي محمود صالحية متشبثًا بأحقيته في الإقامة ببيته الأثري، الذي ورثه عن أبيه في حي الشيخ جراح، شرقي مدينة القدس.

حرب مُستعرة دارت رحاها بين "صالحية" صاحب البيت الذي بُني عام 1920م، والمحاكم الإسرائيلية، بدأت قبل 32 عامًا، عندما قاد الاحتلال ومستوطنوه حملات مسعورة، لإخراج أهالي الحي التاريخي من بيوتهم عنوة.

"قوة كبيرة مدججة بالسلاح اقتحمت البيت، وأخرجت العائلة بالقوة، بينما أخذ ما يسمى بجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" قرارًا بهدم المنزل فورًا، حتى لا يكون هناك ذريعة للعودة".

يقول لـ"نوى": "على مدار كل تلك السنوات، حاول الاحتلال إخراجي من المنزل بالقوة عبر قانون أملاك الغائبين، ثم من خلال دائرة الأراضي الإسرائيلية، إلى أن أصدرت بلدية القدس التابعة للاحتلال قرارًا يقضي بهدم المنزل، ومصادرة أرضي المجاورة له، والبالغة مساحتها 6 دونمات، تحت ذريعة بناء منافع عامة".

باستماتة، دافع صالحية عن منزله، ما دفع الاحتلال لاستخدام قوة السلاح ضده، حين باغت المنزل "فجأة" في ليلة ظلماء خلال شهر فبراير/ شباط 2022م.

يخبرنا: "قوة كبيرة مدججة بالسلاح اقتحمت البيت، وأخرجت العائلة بالقوة، بينما أخذ ما يسمى بجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" قرارًا بهدم المنزل فورًا، حتى لا يكون هناك ذريعة للعودة".

لم يضعُف "صالحية" -وفق ما يؤكد لـ"نوى"- عقب هدم منزله، والاستيلاء على أرضه التي تُعد أكبر أراضي حي الشيخ جراح، "وبرغم مزاعم الاحتلال بإمكانية التعويض، إلا أنني رفضت التقدم بأي طلب يخص هذا الأمر، فالقبول بالتعويض يعني القبول ببيع أرضي، وكأنني سلّمتها للاحتلال بيدي، وهذا لن يحصل" يعقب.

انتقل "صالحية" مرغمًا للعيش في منطقة وادي الجوز الملاصقة لحي الشيخ جراح، في منزلٍ يطل على بيته المدمر، يناظره كل صباحٍ ويطمئن أن محاولات طمس التاريخ لن تجدي نفعًا طالما أن قلبه بخير، باقٍ هناك كدليلٍ حي على فلسطينية الأرض والملكية.

"ما زلت أسكن في القدس رغم الهدم، فهي تعني لي الكثير، وسأبقى مرابطًا هنا، ولن أقبل التهجير ما دُمت حيًا".

يختم بصوتٍ يختلط حزنه بالعزة: "ما زلت أسكن في القدس رغم الهدم، فهي تعني لي الكثير، وسأبقى مرابطًا هنا، ولن أقبل التهجير ما دُمت حيًا".

ولم يكن "صالحية" الوحيد من سكان مدينة القدس، الذي عانى ويلات المحتل، وذاق مرارة انتهاكاته في تفاصيل الحياة كافة، ووقف سدًا منيعًا في وجه مخططات الاحتلال الإسرائيلي الرامية لتهويد وتهجير أهل المدينة المقدسة، وأسرلة هويتها وآثارها ومعالمها.

ناصر الغاوي أيضًا، الذي استولى المستوطنون على منزله بحي الشيخ جراح في شهر أغسطس/ آب 2009م، بعد سلسلةٍ من المحاولات التي باءت بالفشل بسبب صمود العائلة.

كان التحذير الأخير من بلدية الاحتلال لعائلة "الغاوي" بإعطائهم مهلة لمدة أسبوعين لترك المنزل، لكن لم يمضِ على تلك المهلة سوى 5 أيام، حتى باغت المستوطنون العائلة "فجأة"، واعتدوا عليهم، وأخرجوهم بالقوة من المنزل، وفق ما يروي لـ"نوى".

لم يكن الأمر سهلًا بالنسبة لعائلة "الغاوي"، التي تسكن المنزل منذ عام 1952م، إذ بقيت مقيمةً على الرصيف الواقع أمام المنزل لمدة 6 أشهر، رفضًا لهذا الإجراء العنصري، "وقد تخلل تلك الفترة اعتقالات، وزيارات استفزازية للمنزل من قبل متطرفين وعلى رأسهم ايتمار بن غفير".

وبرغم الظروف الصعبة التي مر بها، إلا أن فكرة الخروج والهجرة من مدينة القدس مستبعدٌ تمامًا من قبل الرجل، الذي اضطر لاستئجار بيت آخر في منطقة كفر عقب بمدينة القدس، "فالمهم أن أبقى هنا، داخل المدينة المقدسة".

ضرائب باهظة

يتجرع من نفس الكأس المُرة، الأكاديمي أمجد شهاب، الذي افتتح كلية "الشهاب المقدسي" للتعليم المهني، من أجل استقطاب المقدسيين وتعليمهم مهنًا تخدمهم ومدينتهم، "بدلًا من أن يكونوا ضحية أرباب العمل الإسرائيليين، أو عمالًا في سوق الخدمات والاستيطان" يقول.

ومنذ افتتاح الكلية المهنية وسط شارع صلاح الدين المركزي بالقدس قبل 10 سنوات، يتعرض شهاب لملاحقات إسرائيلية، وضرائب باهظة بُغية إغلاقها، وإبقاء عددٍ كبير من الشباب المقدسيين ضحية سوق العمل الإسرائيلي وأربابه.

ويخبرنا: "المشروع يهدف إلى إيجاد فرص عمل للشبان المقدسيين من أجل بناء المدينة المقدسة، في إطار زيادة صمود المقدسيين، لكنّ ذلك لم يرق للاحتلال الذي أخذ يفرض ضرائب باهظة، وخصوصا ما تسمى الأرنونا، التي بلغت قيمتها 10 آلاف دولار، إضافة للضريبة المضافة على دخل الكلية ونسبتها 17%".

ويوضح أن سلطات الاحتلال تقدم إغراءات مالية للمدارس، "مساعدات مالية لكل طالب، في المقابل تفرض رؤيتها على المنهاج، إذ يتم تحريفه وتغيير كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتعزيز الصمود المقدسي"، مشيرًا إلى أن بعض الطلبة يرفضون هذه السياسات، ويواصلون تعلّم المنهاج الفلسطيني.

"لا يتوقف الاحتلال عن فرض الضرائب الباهظة ضدنا، أبرزها ضريبة الأرنونا السنوية، و47% من دخل التاجر، و16.5% لما يسمى بمؤسسة التأمين الوطني، وهذه مبالغ لا نستطيع دفعها كونها تصل آلاف الشواكل".

حكاية صمود أخرى يروي تفاصيلها تاجر مقدسي -رفض الكشف عن اسمه خشية الملاحقة الاسرائيلية- إذ يعيش معاناة ممتدةً على مدار سنوات بسبب الاقتحامات والقرارات الجائرة التي تفرضها عليه سلطات الاحتلال، ضمن محاولاتها لتضييق الخناق، وإجباره على ترك متجره في البلدة القديمة.

يبدأ مسلسل المعاناة لدى ذاك التاجر المقدسي، من سياسة ازدواجية المعايير والتفرقة في التعامل بين التاجر الفلسطيني والإسرائيلي، حيث يتعرض الأول لمداهمات عنيفة لمحله بشكل شبه يومي، ضمن السياسات الإسرائيلية الرامية لضرب الاقتصاد المقدسي وتهجير أصحاب المحلات التجارية.

يقول: "لا يتوقف الاحتلال عن فرض الضرائب الباهظة ضدنا، أبرزها ضريبة الأرنونا السنوية، و47% من دخل التاجر، و16.5% لما يسمى بمؤسسة التأمين الوطني، وهذه مبالغ لا نستطيع دفعها كونها تصل آلاف الشواكل".

و"الأرنونا" هي ضريبة قانونية تفرضها بلدية الاحتلال على كل مستعمل للعقارات غير المنقولة.

ويوضح أن قيمة الضرائب التي يدفعها طيلة العام تتجاوز الـ 6 آلاف شيكل، مشيرًا إلى أن الاحتلال يستخدم طرقًا لاستقطاب المشترين المقدسيين في المُجمعات التجارية التابعة له، من خلال وضع امتيازات وتخفيض الأسعار، مستدركًا: "لكن رغم هذه الممارسات العنصرية لن نرحل من القدس وسنبقى هنا صامدين مهما كلفنا الثمن".

"أسرلة التعليم"

وتتعدد أوجه الممارسات الإسرائيلية، لكن الهدف واحد، وهو ترحيل المقدسيين وتهجيرهم قسرًا، لذلك اتجه الاحتلال إلى سياسة "أسرلة" التعليم وتجهيل الطلبة المقدسيين، عبر تزييف المنهاج الفلسطيني وتحريفه عن طريق إدخال تعديلات عليه، تزيّف تاريخ القضية الفلسطينية.

"دولة الاحتلال تنتهج سياسة إلغاء الوجود الفلسطيني في التعليم، وتحاول السيطرة عليه شيئًا فشيئًا وليس بالقوة".

يقول المختص في شؤون التعليم بالقدس زيد القيق: "إن دولة الاحتلال تنتهج سياسة إلغاء الوجود الفلسطيني في التعليم، وتحاول السيطرة عليه شيئًا فشيئًا وليس بالقوة"، مشيرًا إلى أنها ترفض السماح بفتح مدارس جديدة؛ لتلبية الزيادة في أعداد الطلبة إلا بالمنهج الإسرائيلي.

ويوضح القيق، أن آخر سياسات الاحتلال تجاه التعليم، هو إغلاق مدارس تابعة للأونروا، ومنع التعامل معها، إضافة إلى استمرار سياسة تفتيش المدارس وحقائب الطلبة، بحثًا عن المناهج الفلسطينية في حقائب الطلبة.

ويبين أن الاحتلال ينتهج أيضًا سياسة التوسعة في افتتاح صفوف تدرس المناهج الإسرائيلية، مشددًا على أن "غالبية مدارس القدس حُرمت من تعليم المنهاج الفلسطيني، وهي تدرس المنهاج المحرف".

درع حماية

من جهته، أكد المختص في شؤون القدس ناصر الهدمي، أن الاحتلال يعمل بكل طاقاته لتهويد مدينة القدس على مدار سنوات طويلة، لكنه استغلَّ فترة حرب الإبادة على قطاع غزة؛ لفرض وقائع جديدة في المدينة، من خلال تكثيف التنكيل بالمقدسيين، واعتقالهم، والملاحقات المالية للتجار، وحملات الإبعاد عن الأقصى في سبيل دفعهم لترك القدس.

وأوضح الهدمي، أن المقدسيين يشكّلون درع حماية لمدينة القدس من الناحية الديمغرافية واليومية، إذ يشكّلون 40% من سكان المدينة، وهو ما يُشكل عائقًا بالنسبة للاحتلال، "ولهذا السبب فإن وجودهم يؤلم الاحتلال، ويشكل عنوانًا للتجذر في الأرض الفلسطينية".

وبيّن أن المقدسيين أخذوا على عواتقهم مقاومة الاحتلال عبر تواجدهم وبقائهم في المدينة، والحفاظ على أملاكهم وقدرتهم على أداء الصلوات في الأقصى، مشيرًا إلى أن هذا العام، شهد تزايدًا في أعداد المصلين في الأقصى، رغم تضييقات الاحتلال.

وجدد التأكيد على إصرار أهل القدس على تحمل تبعات بقائهم داخل المدينة، وعملهم فيها، رغم حملات التنكيل التي تشنها سلطات الاحتلال بكافة أذرعها؛ لإيذاء المقدسيين، مُستغلين الواقع الجديد الذي أفرزته حالة الطوارئ بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وشدد على ضرورة "وحدة أبناء الشعب الفلسطيني خلف قيادةٍ وطنية موحّدة، حفاظًا على جهود أبنائه وتضحياتهم العظيمة في سبيل البقاء والتجذّر وتثبيت الهوية".

كاريكاتـــــير