غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، اعتاد عامل البناء أحمد أبو غالي الاستيقاظ فجرًا. يأكل لقمةً تسنده، ويودّع أبناءه النائمين، ثم ينطلق إلى عمله داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.
كان أبو غالي، الذي يقطن مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، شمالي قطاع غزة، يعيل أسرته المكونة من زوجته وستة أبناء، بما يستطيع تحصيله من عمله هناك أسبوعًا بأسبوع، "لكن الحرب حلّت وحلَّ معها الخراب" يقول.
بعد اندلاع الحرب اعتقل الجنود أحمد عند معبر "ميتار" قرب الخليل، وكان يحاول العبور إلى أراضي الضفة. تعرّض خلال اعتقاله للتعذيب والضرب، وصودرت كل أمواله التي كانت بحوزته.
في نوفمبر 2023م، أي بعد اندلاع الحرب بشهر واحد، اعتقلته القوات الإسرائيلية عند معبر "ميتار" قرب الخليل جنوبي الضفة الغربية، وقد كان يحاول المرور إلى أراضي الضفة، بينما تعرّض خلال اعتقاله للتعذيب والضرب، كما صودرت أمواله التي كانت بحوزته، وهي أجرته مقابل شهر من العمل، وتبلغ قيمتها 9 آلاف شيكل، ثم بعد ثلاثة أشهر أفرج الاحتلال عنه، غير أن معاناته لم تنتهِ عند خروجه من الأسر، بل بدأت مع عودته إلى غزة.
يقول أبو غالي: "ظننت أنني تركت الجحيم خلفي، لكنني وجدت جحيمًا أشد قسوة. عدتُ إلى عائلتي لأجدهم نازحين من غزة إلى مواصي خان يونس، جنوبي القطاع. كانوا نحيلين للغاية، تكاد عظامهم تبرز من أجسادهم. لم أستطع تحمل رؤيتهم بهذا الحال، فبكيت بحرقة ووجدت نفسي لأول مرة أحتاج معيلًا يسندني وعائلتي معًا".

14 شهرًا في الإبادة، كانت كفيلةً بالقضاء على مصادر رزق آلاف العمال في قطاع غزة، لا سيما أولئك الذين كانوا يعملون داخل الخط الأخضر، أو في مهنٍ يومية باتت مستحيلة في ظل الدمار والغلاء.
ورغم اعتماد أولئك العمال على المساعدات الإغاثية لإعالة أسرهم، إلا أن غياب برامج الحماية الاجتماعية، من قبل وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية زاد معاناتهم، وترك أسرهم لتغرق في دوامة الفقر.
يشير أبو غالي إلى أن جميع مدخراته في حسابه البنكي نفدت بعد مدة قصيرة؛ لأجل توفير الطعام والمأوى لأسرته في النزوح، ويضيف: "كل صباح أخرج للبحث عن أي عمل، أي شيء يسد رمق أولادي. كنت مستعدًا لحمل الصخور بيدي لو وجدت من يدفع لي، لكن الأسواق فارغة، والمواد مفقودة، ولا أحد يبحث عن عمال. المساعدات لا تكفي، فهي بالكاد تضمن لنا البقاء أحياء. زوجتي أصبحت تقطع علبة السردين الصغيرة إلى ستة أجزاء، واحد لكل ابن من أبنائنا".
"بعد أن دُمرت حياتنا تمامًا، لا أحد ينظر إلينا. هل نحن أقل شأنًا من غيرنا؟ نحن لا نطلب صدقات، نحن نريد دعمًا حكوميًا، أو عملًا وفرصةً للعيش بكرامة".
وينتقد أبو غالي صمت الحكومة، خاصةً وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية ونقابة العمال، إزاء معاناة عمال "الداخل المحتل"، الذين باتوا دون مصدر دخل "بعد أن دُمرت حياتنا تمامًا، لا أحد ينظر إلينا. هل نحن أقل شأنًا من غيرنا؟ نحن لا نطلب صدقات، نحن نريد دعمًا حكوميًا، أو عملًا وفرصةً للعيش بكرامة".
وزاد: "منذ أن حدث الانقسام الفلسطيني وعمال غزة على وجه العموم (عمال الداخل أو المياومة) يعيشون ظروفًا صعبة، ولا جهة حقيقية يمكن أن يلجأوا لها كمساند داخل الوطن. كل جهة تلقي مسؤوليتنا على الأخرى، ونحن وحدنا الذين نتكبد الخسارة من أعمارنا وشعورنا بالإنتاج، وقدرتنا على إعالة أسرنا، ونفسياتنا التي تتأزم تبعًا لمزاج الاحتلال وأرباب العمل".
ينادي الرجل، قبل أي شيء، بوحدةٍ فلسطينية تشمل مؤسسات الدولة كافة، وحكومة واحدة، تكون مسؤولة عن الشعب كله في شقي الوطن، لا في بقعة دون أخرى.
ينادي الرجل، قبل أي شيء، بوحدةٍ فلسطينية تشمل مؤسسات الدولة كافة، وحكومة واحدة، تكون مسؤولة عن الشعب كله في شقي الوطن، لا في بقعة دون أخرى. تتلقى تمويلًا موحدًا يُسخّر لخدمة وتحسين أوضاع الجميع، ولا تُحرم منه فئة على حساب أخرى تبعًا لمكان تواجدها، أو حتى انتماءاتها الفكرية والدينية.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، أصدرت السلطات الإسرائيلية عدة قرارات أثرت بشكل كبير على العمال الفلسطينيين من قطاع غزة. أبرز هذه القرارات كان إلغاء تصاريح العمل لنحو 18,500 عامل من غزة، مما أدى إلى منعهم من دخول الخط الأخضر للعمل. بالإضافة إلى ذلك، تم احتجاز الآلاف من هؤلاء العمال ونقلهم إلى مراكز اعتقال، حيث تعرضوا للتحقيق حول ما إذا كانت لديهم معرفة مسبقة بعملية "طوفان الأقصى" قبل وقوعها أم لا؟
وأشار تقرير محلي إلى أن السلطات الإسرائيلية اعتقلت بشكل تعسفي نحو 10,300 عامل فلسطيني مباشرة بعد 7 أكتوبر، حيث تم احتجازهم في السجون والمعتقلات الإسرائيلية دون الكشف عن أسمائهم أو أماكن احتجازهم. وحتى مطلع نوفمبر 2023م، تم ترحيل الآلاف منهم قسرًا إلى غزة بعد تجريدهم من ممتلكاتهم.
"ابني يعمل بدلًا عني"
قبل الحرب، اعتاد سامي عزام (38 عامًا)، وهو عامل نقل بضائع داخل مول تجاري في مدينة غزة، أن يبدأ يومه مع بزوغ الشمس. يمضي ساعاته الطويلة في حمل البضائع على ظهره؛ ليعود بما يكفي لإطعام زوجته وأطفاله الخمسة.
يقول الشاب الذي فقد مصدر دخله وانضم إلى طابور البطالة بسبب تدمير المول التجاري الذي كان يعمل فيه: "لم أكن ثريًا، لكنني كنت أعود إلى بيتي كل يوم وأنا أشعر بأنني رجل يوفر لقمة العيش لأسرته. كان أطفالي يذهبون إلى المدرسة نظيفين وشبعى".
حاول عزام البحث عن عمل، لكنه لم يجد سوى أبوابًا مغلقة، يخبرنا: "أخرج كل صباح إلى السوق، أتجول بين المحلات، وأسأل الناس إن كانوا بحاجة إلى من يحمل لهم أي شيء. كنت مستعدًا للعمل حتى دون أجر، على أمل أن يمنحني أحدهم شيئًا من الطعام لأولادي، لكن السوق مات، ولم يعد هناك من ينقل بضائعه. عدت إلى البيت مرارًا ويداي فارغتان، بينما أطفالي يحدقون بي بأعين يملؤها الجوع والخذلان".
بعد أيام من العجز، اضطر عزام إلى اتخاذ قرارٍ قاسٍ: "كنت أحلم أن يصبح ابني الأكبر مهندسًا، أن يعيش حياة أفضل مني. لكنه أصبح هو المعيل. أجبرته على النزول إلى السوق لبيع السجائر على بسطة صغيرة. في اليوم الأول عاد باكيًا، لكنه سرعان ما اعتاد الأمر. قال لي بعدها: لا يهمني الناس يا أبي، المهم أن نأكل".
يحمل سامي الحكومة مسؤولية التخلي عن العمال: "أين الحكومة؟ أين وزارة العمل ووزارة التنمية الاجتماعية؟ لماذا لم يطلقوا برنامجًا طارئًا لدعمنا؟ ألم نكن نحن من يشغل المصانع ويدير الورش قبل الحرب؟ لماذا تُركنا نواجه الجوع وحدنا؟ إذا كانوا قد قدموا مساعدات نقدية وقت كورونا، فما الذي يمنعهم الآن؟ الحرب دمرت كل شيء، ونحن أكثر من يستحق الدعم".
ما بين أسير سابق فقد عمله وكرامته، وأب اضطر لتحويل طفله إلى بائع في الشوارع، تتجسد مأساة آلاف العمال في غزة. وسط غياب أي برامج لدعمهم، وبين الحصار والبطالة، يتحول البقاء على قيد الحياة إلى معركةٍ يومية، يخوضها هؤلاء العمال وأسرهم بصمت.
"مساعدات لا تذكر"
وقال شاهر سعد، أمين عام اتحاد نقابات عمال فلسطين: "العمال الفلسطينيون الذين كانوا يعملون داخل الخط الأخضر هم الفئة الأكثر تضررًا منذ اندلاع الحرب"، مشيرًا إلى أن ما قُدّم لهم من مساعدات "لا يُذكر" مقارنةً بحجم الخسائر التي تكبدوها.
وأوضح سعد أن الاتحاد حاول بالتعاون مع وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية متابعة أوضاع ما بين 260 إلى 270 ألف عامل، معظمهم كانوا يعملون في قطاع البناء بنسبة 75%، والبقية في الزراعة وقطاعات أخرى، لكن معظمهم فقدوا أعمالهم وأصبحوا بلا دخل.
وبرغم أن بعض الجهات الدولية قدمت مساعدات محدودة، خاصة للعمال الغزيين العالقين في الضفة الغربية، حيث حصلوا على دفعات مالية بقيمة 700 شيكل لست أو سبع مرات، أكد سعد أن هذه المساعدات لا توازي حجم الكارثة الاقتصادية التي يعيشونها.
وانتقد سعد غياب الدعم الحكومي المحلي، مشددًا على أن "ما قدمته الجهات الرسمية ضئيل جدًا، ولا يرتقي إلى حجم معاناة العمال، خاصة في الضفة الغربية، حيث لم يحصل سوى عدد يتراوح بين 2000 و3000 عامل فقط على المساعدة، بينما البقية تُركوا لمواجهة مصيرهم المجهول".
وأشار سعد إلى أن حكومة الاحتلال تتحمل المسؤولية الكبرى عن تعطيل العمال في الداخل المحتل، ومنعهم من العودة إلى أعمالهم، عادًا أنه "من الواجب عليها تعويضهم، لكنها تماطل منذ أشهر وترفض الاستجابة حتى للضغط الدولي".
كلمة السر: الانقسام
ويعدّ سامي العمصي، رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين في قطاع غزة، السبب الرئيس في تدهور أوضاع العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، استمرار الانقسام السياسي الداخلي، وعدم وجود حكومة وفاق وطني، "ما أدى إلى تفاقم معاناة العمال في القطاع، حتى أصبحت هذه الظروف، مبررًا للتهرب من المسؤوليات تجاه العمال وحقوقهم".
وأضاف: "غياب التنسيق بين الجهات المعنية في غزة والضفة الغربية، ساهم في تهميش قطاع غزة، واستثنائه من خطط التنمية، مما أدى إلى تفاقم نسب البطالة".
وأكد أن السلطة الفلسطينية في رام الله، لم تقدم أي شيء يُذكر للعمال في غزة، باستثناء بعض المساعدات المحدودة، مشيرًا إلى أن السلطة مارست تمييزًا وتفرقة تجاه عمال غزة، حيث صرفت 35 ألف مساعدة لعمال الضفة من صندوق "وقفة عز"، بينما تجاهلت غزة وصرفت 5 آلاف مساعدة فقط.
ودعا العمصي المؤسسات الدولية والدول العربية والإسلامية إلى الضغط على الاحتلال؛ لرفع الحصار الجائر المفروض على القطاع منذ أكثر من 17 عامًا، الذي تسبب بكوارث إنسانية، وألقى بظلاله على كل المجالات والقطاعات العمالية.
وشدد على ضرورة إنهاء الانقسام السياسي وتحقيق الوحدة الوطنية؛ لضمان حقوق العمال وتحسين أوضاعهم المعيشية، مؤكدًا أن العمال لن يصمتوا أمام تردي الأوضاع، وعلى الجميع أن يتدارك خطورة هذه المرحلة.
الحل في حكومة الوفاق
ويؤكد المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب، أن الأزمة التي يواجهها العمال في غزة اليوم تحتاج إلى ما هو أكبر من مجرد مساعدات إغاثية مؤقتة، فهو يرى أن الحل الجذري يكمن في توحيد الصفوف تحت مظلة حكومة وفاق وطني قادرة على توجيه الجهود نحو إعادة البناء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وقال أبو جياب: "ما نراه اليوم ليس فقط أزمة معيشية، بل انهيار لمنظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. لا يمكن معالجة هذا الوضع عبر مبادرات فردية أو مساعدات عشوائية. نحن بحاجة ماسة إلى حكومة وفاق وطني موحدة، تضم جميع الأطراف الفاعلة، وتعمل وفق خطة شاملة لإعادة إعمار الاقتصاد ووقف الانهيار، أي جهد منفرد لن يُحدث فرقًا حقيقيًا ما دامت المؤسسات منقسمة ومتعثرة".
وأضاف: "غزة بحاجة إلى إدارة موحدة لمواجهة هذا الدمار. إذا استمرت الانقسامات السياسية، فلن نخرج من هذه الأزمة. الحكومة الموحدة يمكنها أن تنشئ صندوق طوارئ لدعم العمال وأصحاب المهن، إلى جانب تنظيم المساعدات بشكل عادل وفعال. لا يعقل أن تُترك آلاف العائلات دون دخل، بينما تُدار المساعدات بطرق غير متوازنة".
ويشدد أبو جياب على أن غياب التنسيق بين الجهات المحلية والدولية يضاعف حجم المأساة، معقبًا بقوله: "يجب أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة التعافي. هذا لن يتحقق إلا إذا تكاتفت الجهود تحت إدارة واحدة، تتولى مسؤولية حماية الفئات الأضعف، وأولهم العمال. المطلوب ليس فقط توفير الغذاء، بل خلق فرص عمل بديلة، وضمان عودة الاقتصاد للحياة تدريجيًا. حكومة الوفاق الوطني ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية".
ضرورة تطبيق إعلان بكين
في ذات الإطار، دعا مركز مسارات خلال مؤتمر "فلسطين 2025م: من أجل الوحدة ووقف العدوان"، إلى ضرورة تطبيق "إعلان بكين"؛ لتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، مشددًا على أهمية إنهاء الانقسام الداخلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقدم المركز مجموعة من التوصيات، أبرزها إطلاق حملة وطنية شاملة بقيادة مؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، والنشطاء المجتمعيين؛ للضغط على القيادة والفصائل الفلسطينية من أجل تنفيذ بنود الإعلان.
أوصى المركز بضرورة تطوير رؤية استراتيجية لبناء نظام سياسي موحد، يستند إلى مبادئ الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، مع تشكيل حكومة وفاق وطني تتولى مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما أوصى المركز بضرورة تطوير رؤية استراتيجية لبناء نظام سياسي موحد، يستند إلى مبادئ الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، مع تشكيل حكومة وفاق وطني تتولى مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وشدد المؤتمر على أهمية إعلان قطاع غزة منطقة منكوبة، داعيًا إلى توفير الدعم الإنساني العاجل للسكان، إلى جانب بناء شراكات دولية لدعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
وأكد المشاركون على ضرورة تفعيل دور المجتمع المدني في تنظيم حراك شعبي يساهم في إنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الوطنية بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويعزز صموده في وجه الاحتلال.
























