غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أمام خيمته في ملعب اليرموك بمدينة غزة، يجلس الخمسيني أشرف أبو كرش، ويحملق مطوّلًا في المدرجّات المدمّرة، ويستذكر كيف كان يعلو صراخه هنا، أثناء تشجيعه للاعبي فريق نادي الشجاعية.
لا يتجرع أبو كرش حتى اللحظة، الواقع الحالي للملعب. "ولا عمري تخيلت يصير هذا المكان بيتي" يقول بقهر.
ويخبرنا: "كنت أهرب من تعب الحياة إلى هنا، أشاهد المباريات وألتقي بأصدقائي. صدقًا كانت هذه أمتع لحظات عمري".
قُصف منزل الرجل في منطقة الشيخ رضوان، وسط مدينة غزة، ومنذ ذلك الوقت يمكث في خيمته نازحًا داخل الملعب، الذي تحول إلى كومة رمال بعدما جرفه جنود الاحتلال، ثم مأوى لإيواء النازحين، الذين كانوا يبحثون عن مساحات "ربما آمنة" لنصب خيامهم.
يحكي أبو كرش، كيف كانت أرضية الملعب خضراء معشبة، تفتح الشهية لمشاهدة المباريات، وكيف كان صوت صفارة الحكم يصدح بقوة هنا، "لكن المشهد الآن مأساوي" يستدرك.
تعيده ذاكرته لمشهد احتفال اللاعبين بإحراز هدف، متجمعين حول بعضهم البعض ينشدون، يقول وعلى وجهه إيماءات القهر: "أجمع أطفال المخيم ونشكل فريقين، ثم نلعب مباراة. أحاول إعادة المكان لأصله ولو لدقائق معدودة".
لم تسلم مدرجات الملعب وحتى جدرانه من رصاص جنود الاحتلال، فقد استهدفوها عمدًا. يضيف: "أفرغوا حقدهم فيها وكأنهم يتعمدون طمس وتدمير كل الأماكن الحضارية بغزة".
لم يكتفِ الجنود الإسرائيليون بذلك، بل قاموا أثناء الاجتياح بقتل النازحين داخل الملعب، واعتقال البعض منهم، وأجبروا عددًا كبيرًا من النساء والاطفال على النزوح للجنوب.
عن ذلك المشهد، يتابع أبو كرش: "تواجدت داخل الملعب 15 عائلة، باغتهم الجيش الإسرائيلي وحاصرهم. منهم من قتلوا أمام أعين ذويهم، وآخرين اقتادوهم إلى معسكرات اعتقال".
لم يسلم أيضًا متنزه بلدية غزة، الواقع وسط مدينة غزة، من عدوان الاحتلال، فبعدما كانت تتردد عليه الأمهات وأطفالهن للترفيه عن أنفسهم طوال فصلي الربيع والصيف، أصبح الآن مأوى للآلاف منهم.
تشكو النازحة آلاء الزهارنة (31 عامًا) وهي تطهو على موقد النار لأطفالها الخمسة ما تيسر من مساعدات أهل الخير، وتخبرنا: "نزحت أكثر من 15 مرة. لم أجد مكانًا آوى إليه وأطفالي سوى المنتزه، شعرت أنه المكان الوحيد الآمن بالمدينة بعدما انقطعت لدي السبل".
"كنا نرتاد المتنزه للإفطار، وكان أطفالي حولي يلعبون، لكنهم الآن يعيشون بداخله حالة صدمة واستغراب".
يتجدد القهر في قلب آلاء كل يوم، لكن في شهر رمضان يكبر الوجع. تروي: "كنا نرتاد المتنزه للإفطار، وكان أطفالي حولي يلعبون، لكنهم الآن يعيشون حالة صدمة واستغراب".
تداري آلاء دموعها عن عيون أطفالها الذين ينهالون عليها بالأسئلة يوميًا، قائلين: "ليش يا ماما صرنا عايشين بالمتنزه؟ بدنا بيتنا ننام فيه ونيجي على المنتزه طشة".
تهرب عينيها بين أروقة المتنزه يمينًا ويسارًا، وتقول: "والله عمري ما توقعت يكون بيتي وأنام فيه".
حين غلبتها دموعها تابعت: "تغيرت حياتنا 180% درجة، لم نتخيل يومًا أن نعيش هذه المأساة".

وفي لحظات سمر تسترجع آلاء برفقة أطفالها ذكرياتهم سويًا في هذا المكان، وتكمل: "كان أطفالي يتلهفون للذهاب إليه، لكنه الآن أصبح عاديًا بالنسبة لهم، بل يلحون علي بالخروج منه".
تدير وجهها نحو مبنى مركز القطان المجاور، وتقول: "كنت أتردد عليه لجلب القصص والكتب التعليمية لأطفالي، لكنه الآن أصبح فارغًا إلا من النازحين".
ولعل حال أم عبد الله بهار، أسوأ من سابقيها، فهي النازحة داخل مكتبة بلدية غزة التي قصفها الاحتلال، وبقي جزءٌ منها آيلٌ للسقوط، اضطرت للنزوح داخله.
"بعدما استشهد زوجي وابني، ودمر الاحتلال بيتي في حي الشجاعية، أغلقت بوجهي كل الأبواب، ولم أجد مكانًا يؤويني وأبنائي السبعة إلا هذه المكتبة".
تقول لشبكة "نوى": "بعدما استشهد زوجي وابني، ودمر الاحتلال بيتي في حي الشجاعية، أغلقت بوجهي كل الأبواب، ولم أجد مكانًا يؤويني وأبنائي السبعة إلا هذه المكتبة".
تتابع: "هذه المرة الأولى في حياتي أدخل المكتبة، ولم أتخيل يومًا أن أعيش فيها".
"كل شيء في عيون الغزيين يهون إلا أن تفقد عزيزًا، أو بيتًا"، تصف أم عبد الله حالها، مردفةً بقهر: "أعيش في المبنى المقصوف. الجدران مشققة، ومياه الأمطار تتسرب من السقف، وضعت ألواح الزينكو حتى لا تسقط الجدران علينا".
وتزيد: "مجبورة أتحمل، غزة جميع بيوتها مدمرة، وإن وجدت بيوت للإيجار فالمبالغ مرتفعة جدًا، ولا أستطيع تحملها".
























