غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل الإبادة، كانت المسافة الزمنية الفاصلة بين مدينة رفح، في أقصى جنوبي قطاع غزة، ومدينة بيت حانون شمالي القطاع، ثلاثة أرباع الساعة في السيارة، أما الآن يمكن أن يقضي المتنقل بين المدينتين ثلاث ساعات كاملة حتى يصل!
وبات الموظفون في مؤسسات القطاع الحكومية والخاصة، أكثر من يعاني بسبب الطرق الالتفافية والشوارع الوعرة وغير الممهدة، والحاجز الذي يفصل الشمال عن الجنوب، إما لأن مؤسساتهم موجودة في الشمال، وهم قرروا البقاء في الجنوب بعد هدم بيوتهم هناك، أو لأن مؤسساتهم أصلًا موجودة في الجنوب، ولم تعد للشمال -بينما هم عادوا- لنفس السبب.

صبحي طافش، الذي يعمل في مجال الخدمات بمؤسسة أطباء بلا حدود، في مدينة خانيونس، جنوبًا، وصف تجربته القاسية في التنقل يوميًا بين مكان عمله، وبيته شبه المدمر في مدينة غزة. يقول: "يبدأ دوام المؤسسة تمام الثامنة صباحًا، وينتهي الساعة الثالثة والنصف عصرًا، أما أنا فتبدأ رحلتي اليومية من الساعة الخامسة والنصف صباحًا، وتنتهي في السادسة".
يعمد صبحي إلى ارتداء الملابس الثقيلة في الصباح الباكر، ليصد عنه صقيع الجو، لا سيما وأنه يسلك للوصول إلى مقر عمله شارع الرشيد، الواقع على شاطئ بحر غزة، مشيًا على الأقدام حتى دوار النابلسي؛ ليجد وسيلة مواصلات تنقله إلى "تبة النويري"، ليستقل بعدها الباص فينقله إلى مكان المؤسسة.
"أطفالي الصغار، ينتظرونني يوميًا على باب المنزل، وعندما يرونني من رأس الشارع يهرولون ناحيتي حاملين عبارات الشوق واللهفة للقائي".
يضيف: "أطفالي الصغار، ينتظرونني يوميًا على باب المنزل، وعندما يرونني من رأس الشارع يهرولون ناحيتي حاملين عبارات الشوق واللهفة للقائي". وبرغم توقف إطلاق النار، إلا أن أطفاله ما زالوا يخشون أصوات الطائرات الحربية، ويخشون إغلاق الحاجز من جديد فيبقى هو في الجنوب بينما هم يبقون في غزة.
وسمح الاحتلال بإعادة فتح شارعي صلاح الدين والرشيد، بعد بدء سريان المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ في اليوم 467 من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلفت أكثر من 157 ألف قتيل وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، ودمار هائل، في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية بالعالم.

تسنيم السويطي من مدنية غزة أيضًا، وتعمل مثقفة صحية في المستشفى البريطاني الميداني، الواقع بين مدينتي رفح وخانيونس، تعيش نفس المعاناة.
تعتمد الشابة خلال يوم عملها على وجبة طعام واحدة، إذ لا تجد وقتًا كافيًا لتناول الطعام كما توضح، "إذ أبدأ رحلتي يوميًا من ساعات الفجر الأولى، وأعود تمام السادسة والنصف. أعود ميتة من التعب، وأنام دون أن آكل شيئًا".
والد تسنيم وجد لها في الأسبوع الأول من العمل مبيتًا عند عمتها في النصيرات، وسط قطاع غزة؛ ذلك لصعوبة التنقل بين الشمال والجنوب، لكنها عانت الأمرين رغم ذلك، في زيارة أهلها.
بقيت الأزمة ملاحقةً لتسنيم، حتى وفر العمل لموظفيه حلًا مؤقتًا، باصًا ينقلهم من الوسط إلى الجنوب في ساعةٍ محددة، تضيع على من يتأخر عنها.
تزور صبا أسرتها كل خميس في شمال القطاع، بينما تعود إلى الجنوب صبيحة الأحد. تعبر عن مشاعرها بالقول: "هو اليوم المنتظر. ألقي بكل متاعبي على الطريق وأكتفي بحضن أمي وأبي".
وعبرت صبا بشبش، وهي من سكان حي المغربي في مدينة غزة، عن أملها في فتح شارع صلاح الدين بالكامل، والسماح للسيارات بالمرور من شارع الرشيد دون عوائق أو حواجز.
تعمل صبا أخصائية نفسية في مؤسسة أطباء بلا حدود، وهي ممن فضلوا المبيت في الجنوب لتخفيف معاناة التنقل يوميًا، "لكنه لم يكن مجديًا" تقول.
تزور صبا أسرتها كل خميس في شمال القطاع، بينما تعود إلى الجنوب صبيحة الأحد. تعبر عن مشاعرها بالقول: "هو اليوم المنتظر. ألقي بكل متاعبي على الطريق وأكتفي بحضن أمي وأبي".
في الشقة التي استأجرتها للمبيت بمدينة دير البلح، وسط القطاع، صدى صوتها فقط هو المجيب الوحيد لها. وتزيد: "اضررت لذلك. يعني أنا ما أزال نازحة حتى اللحظة رغم أن عائلتي كلها عادت إلى الشمال واستقرت. أعاني بشدة من حساسية الجيوب الأنفية بسبب البرد، ولم تعد شهيتي للطعام كما كانت، فأكتفي برغيف واحد طوال النهار".
وبرغم ما تعايشه من مصاعب المعيشة المنفردة، إلا أنها تراه الحل الأنسب حاليًا، "وإلا سأخسر وظيفتي بسبب الطريق".
























