شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 21 ابريل 2026م03:30 بتوقيت القدس

يؤذيهم "عجزهم عن المساعدة"..

حرفيون بلا أدوات.. شلل في "عصب الحياة" بغزة!

03 مارس 2025 - 16:21

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في زاويةٍ مدمرة من أحد شوارع حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، يقف الحداد سمير الزيان (50 عامًا) أمام ورشة الحدادة خاصته، التي تحولت إلى كومة من الركام.

كان المكان يومًا ما يضج بأصوات مطارق الحديد، وشرارات النار المتطايرة، وبرائحة المعادن المنصهرة، لكنه الآن بلا حياة، تمامًا كما هو حال المدينة التي تحتاجه، ولا يستطيع أن يساعدها.

"كل شيء توقف منذ اليوم الأول للحرب"، يقول الزيان لـ"نوى"، ويتنفس بعمق ناظرًا إلى قطع الحديد المبعثرة تحت قدميه. "لا كهرباء، لا وقود، لا مواد خام... حتى زبائني الذين كانوا يأتون كل صباح اختفوا، بعضهم استشهد، وبعضهم نزح، وبعضهم لا يملك ثمن إصلاح أبوابه المدمرة".

"عصب الإعمار"

قبل الحرب، كان الزيان أحد أشهر الحدادين في منطقته، يصنع الأبواب والنوافذ والهياكل المعدنية للمباني.

"كان الناس يأتون إليّ بثقة، يعلمون أنني أضع لهم الحديد الذي يحميهم" يقول بحسرة، ثم يضيف وهو يمرر يده على إحدى القطع المتآكلة: "ماذا أفعل الآن؟ الحديد غير متوفر، وإن وجدته، فأسعاره صارت خيالية. حتى لو أردت العمل بيدي فقط، لا كهرباء لتحريك ماكيناتي، ولا وقود لتشغيل المولد الكهربائي".

وضع الزيان أصابعه على طاولة العمل المغبرة، وكأنه يفتقد أيامها القديمة، وقال: "الحديد هو عصب الإعمار، كيف سنعيد بناء البيوت من دونه؟ كيف سنعيد تركيب الأبواب والنوافذ المحطمة؟"، يتوقف للحظة ثم يضيف: "كل منزل هنا يحتاج إليّ، لكنني عاجز، مكبل، لا أستطيع أن أساعد حتى نفسي".

مع استمرار الحصار ومنع دخول المواد الخام، يجد الزيان نفسه بلا أي حلول. "حاولت البحث عن حديد مستعمل لأعيد تدويره، لكن سعره أغلى من الحديد الجديد قبل الحرب! حتى لو حصلت عليه، كيف سأقصه وأعيد تشكيله بلا كهرباء؟ هل أعود للطرق اليدوي كما كان يفعل الحدادون قبل مئات السنين؟"، يسأل ساخرًا، لكنه يعي جيدًا أن الحقيقة ليست مضحكة أبدًا.

لا يكاد يمر يوم دون أن يأتي أحد السكان إليه يسأله متى يستطيع إصلاح باب منزله أو إعادة تركيب نافذته المدمرة. "يأتون إليّ وكأنني أملك حلًا سحريًا، وحين أخبرهم أنني لا أستطيع، أرى الخيبة في عيونهم، وهذا أكثر ما يؤلمني"، يقول بصوت خافت، وكأنه يعتذر عن عجزه.

ووسط هذا الواقع القاسي، لا يزال سمير متمسكًا بالأمل، لكنه يدرك أن الإعمار لن يبدأ دون إدخال المواد الخام وعودة الكهرباء والوقود. "نحن الحدادون أول من يجب أن يعمل بعد الحرب، فنحن من يعيد للناس أبوابهم ونوافذهم وحياتهم. لكن كيف لي أن أفعل ذلك وأنا لا أملك حتى قطعة حديد واحدة؟" يستدرك بحسرة.

تعطّل القطاعات الصناعية والحرفية في قطاع غزة له تداعيات خطيرة على حياة السكان، حيث يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة معدلات الفقر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

تعطّل القطاعات الصناعية والحرفية في قطاع غزة له تداعيات خطيرة على حياة السكان، حيث يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة معدلات الفقر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وتُقدَّر نسبة البطالة في غزة بحوالي 80%، مع تقلص الناتج الاقتصادي بنسبة 85%، مما أدى إلى وقوع معظم سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة في دائرة الفقر.

غزة الغارقة.. بلا ماء

في حي الشيخ رضوان، يقف السباك فؤاد المصري (48 عامًا) وقدماه تغوصان في بركة صغيرة من المياه المتسربة من أنابيب محطمة، فمنذ اندلاع الحرب، لم يعد عمله كما كان، بل لم يعد هناك عمل أساسًا.

"الناس تحتاجني الآن أكثر من أي وقت مضى"، يقول لـ"نوى" وهو يمسح جبينه بيد خشنة اعتادت على الإمساك بالمفكات والمفاتيح الثقيلة، "لكن ماذا يمكنني أن أفعل بلا مواسير، بلا أدوات، بلا شيء؟".

قبل الحرب، كان المصري يعمل في تركيب أنظمة السباكة للمنازل والمحال التجارية. يصلح الأعطال، ويركب أنابيب المياه والصرف الصحي، ويعيد الحياة للمطابخ والحمامات، "كنت أشعر بأهمية عملي كلما أصلحت تسريبًا أو ركبت نظامًا جديدًا، فالسباكة ليست رفاهية، هي أساس الحياة"، يقول بصوتٍ تملؤه الحسرة، معربًا عن ألمه بسبب ما تسلل إليه من مشاعر حول ما يجري على الأرض، وكيف بات يرى نفسه وكأنه يتفرج على معاناة الناس ولا يحرك ساكنًا.

"كل يوم تأتيني اتصالات من أشخاص يطلبون مني إصلاح خطوط المياه المقطوعة أو استبدال مواسير تالفة، لكن لا أملك المواد اللازمة"، يشرح بغضب. ويزيد: "لا يوجد مواسير بلاستيكية، لا صنابير، لا كرسي حمام، لا شيء. وإن وجدت بعضها، فهي إما مستعملة أو بأسعار خيالية لا أحد يستطيع تحملها".

"كيف للناس أن تعيش بلا مياه نظيفة، بلا صرف صحي، بلا إمكانية لإصلاح منازلهم المدمرة جزئيًا؟".

يشير بيده إلى مجموعة أدواته الملقاة في زاوية ورشته التي بقيت صامدة رغم القصف، "الأدوات وحدها لا تكفي، أنا بحاجة لمواد خام، لصمامات، لقطع غيار، لكن الاحتلال يمنع دخول كل شيء".

ويتساءل بغضب: "كيف للناس أن تعيش بلا مياه نظيفة، بلا صرف صحي، بلا إمكانية لإصلاح منازلهم المدمرة جزئيًا؟".

ومع ارتفاع الأسعار واستمرار الحصار، يشعر المصري أنه عالق في دائرة مغلقة، "أحيانًا أفكر في إعادة استخدام قطع قديمة من الأنابيب، لكن هذا حل مؤقت، فهي ستنهار بعد فترة"، يوضح وهو يقلب في صندوق أدواته.

ويضيف: "كل ما نريده هو السماح بإدخال المواد، لنبدأ العمل، لنساعد الناس. نحن السباكون لا نطلب رفاهية، نطلب فقط ما يجعل البيوت قابلة للحياة".

كارثة اقتصادية وإنسانية

من جهته، يؤكد الصحافي والمحلل المختص في الشؤون الاقتصادية محمد أبو جياب، أن تعطل القطاعات الصناعية والحرفية في قطاع غزة يشكل كارثة اقتصادية واجتماعية، حيث أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر بشكل غير مسبوق، وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان.

وقال أبو جياب لـ"نوى": "نحن نتحدث عن انهيار اقتصادي كامل، فالقطاعات الحرفية والصناعية، مثل النجارة، والحدادة، والسباكة، والبناء، كانت تشكل العصب الأساسي للحياة الاقتصادية في غزة، لكنها تعرضت لضربة قاصمة جراء الحرب، حيث تم تدمير مئات الورش والمصانع، ومنع الاحتلال دخول المواد الخام اللازمة لإعادة تشغيلها".

وأضاف: "اليوم، الحرفيون في غزة بلا عمل، والناس بلا خدمات أساسية. أصحاب المهن مثل السباكين والحدادين لا يجدون المواد الأساسية لإنجاز أعمالهم، والنتيجة هي أن آلاف المنازل المدمرة جزئيًا لا يمكن إصلاحها، مما يفاقم معاناة السكان".

وشدد أبو جياب على أن هذا التعطّل لم يؤثر فقط على الأفراد، بل شلّ عملية إعادة الإعمار بالكامل، قائلاً: "لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار دون تشغيل هذه القطاعات، فهي الركيزة الأساسية لبناء المنازل والبنية التحتية. استمرار الحصار ومنع دخول المواد يجعل غزة غير قادرة على النهوض من تحت الركام".

"الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية نتيجة انهيار الاقتصاد المحلي يزيد من هشاشة غزة أمام أي أزمات مستقبلية".

وأوضح أن الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية نتيجة انهيار الاقتصاد المحلي يزيد من هشاشة غزة أمام أي أزمات مستقبلية.

وقال: "غزة بحاجة إلى اقتصاد منتج ومستدام، لا إلى اقتصاد قائم على المساعدات. استمرار هذا الوضع يعني مزيدًا من التبعية ومزيدًا من الأزمات الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة والتفكك الأسري".

وختم أبو جياب حديثه بالتأكيد على ضرورة الضغط الدولي من أجل السماح بإدخال المواد الخام اللازمة لتشغيل القطاع الصناعي والحرفي، قائلاً: "إعادة تشغيل هذه القطاعات ليس رفاهية، بل ضرورة حتمية لإنقاذ المجتمع الغزي من الانهيار".

كاريكاتـــــير