غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بينما يحيي العالم اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية، الي يوافق التاسع من كانون أول/ ديسمبر من كل عام، يقف محمد رضوان (26 عامًا) أمام أنقاض منزل عائلته في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وقد تحول إلى شاهد صامت على فقدان 17 إنسانًا دفعةً واحدة، في قصف إسرائيلي استهدف المنزل قبل نحو عام.
في تلك الليلة، كان منزل عائلة رضوان يكتظ بالأقارب الذين نزحوا إليه بعد أن فروا من مناطق قصف أخرى. محمد، الذي خرج لجلب القليل من الخبز والماء لأسرته، لم يكن يعلم أنه سيعود فيجد كل الحياة التي كانت هنا، "جثثًا" تحت أكوام الركام.
يقول لـ"نوى": "كنت أسمع أصوات الانفجارات في كل مكان، ولكن لم أكن أتخيل أن المنزل الذي تركته قبل دقائق فقط سيكون هدفًا (..) لقد رأيت النار تخرج من شارعنا وهرعت إلى البيت لأجد الأنقاض تغطي كل شيء وأصوات من أحببتهم أصبحت صمتًا مخيفًا".

استهدف القصف منزل عائلة رضوان بشكل مباشر، مما أسفر عن استشهاد والدي محمد، وثلاثة من أشقائه، وزوجاتهم، وأطفالهم الصغار. أكبر الأطفال لم يتجاوز عمره 12 عامًا.
"في كل صباح، أستيقظ وأتوقع أن أرى وجه أمي وهي تحضّر القهوة. أبحث عن أصوات إخوتي، وضحكات أطفالهم، لكن كل شيء انتهى. أشعر وكأنني عالق في كابوس لا ينتهي". يقول محمد محاولًا حبس دموعه.
في اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية، يجد محمد صعوبة في فهم صمت العالم تجاه ما يحدث في غزة، ويضيف: "العالم يتحدث عن منع الإبادة الجماعية، ولكنه يغض الطرف عما يحدث لنا. أليست هذه إبادة؟ أليس تدمير عائلة بأكملها جريمة تستحق الانتباه؟"، يتساءل بغضب.
ويتابع: "لن أترك هذه الجريمة تُنسى. لقد فقدت كل شيء، لكنني ما زلت أؤمن بأن العدالة ستأتي يومًا ما".
واختتم محمد حديثه بتوجيه رسالة إلى العالم قال فيها: "عندما تتحدثون عن الإبادة الجماعية، تذكروا غزة. تذكروا الشجاعية. تذكروا عائلتي. نحن بشر، حياتنا ليست أقل قيمة من حياة أي أحد آخر. أوقفوا هذه الجرائم قبل أن تُمحى عائلات أخرى".
صدمة لن يمحوها الوقت
داخل مخيم إيواء للنازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، كانت السيدة عايدة منصور (52 عامًا) تجلس وسط خيمتها المتواضعة، تغمرها ذكريات ثقيلة.
في فبراير 2024م، فقدت منصور 11 من أبنائها وأحفادها في قصف إسرائيلي استهدف مخبزًا كانوا يصطفون أمامه للحصول على لقمة تسد رمقهم، في حي البرازيل بمدينة رفح.
"خرجوا ليجلبوا الخبز للجميع، لكنهم لم يعودوا. حتى تلك اللقمة التي كنا نحارب من أجلها حُرِمنا منها"، تقول منصور لـ"نوى" وهي تقبض بيديها على صورة جماعية لعائلتها الراحلة.

وأضافت: "كنت قلقة من ذهابهم للمخبز بشكل جماعي في ظل قصف لا يهدأ، لكنهم طمأنوني. قالوا لي لا تخافي، سنعود بسرعة، وبعد دقائق فقط، سمعت صوت الانفجار. عرفت أن شيئًا فظيعًا حدث، لكن لم أتخيل أنه سيأخذ كل شيء مني".
وتابعت منصور بسخط: "أنتم تحتفلون وتتحدثون عن العدالة، فأين هي عندما يتعلق الأمر بنا؟ لماذا يُسمح لنتنياهو ومن معه بقتل أطفالنا دون محاسبة؟ أريد العدالة. أريد أن أراه أمام المحاكم الدولية ليُحاسب على هذه الجرائم. هل يُعيد لي أحدهم أبنائي وأحفادي؟".
حرب "المجازر"
وأصدرت وزارة الصحة في غزة مؤخرًا، بيانًا يكشف عن أرقام صادمة توثق حجم الجرائم الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م.
وبحسب البيان، بلغ عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات أكثر من 44 ألف شهيد، فيما هناك 11 ألف مفقود يُعتقد أنهم شهداء عالقون تحت أنقاض المنازل المدمرة، حيث لم تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم.
البيان أوضح أن جيش الاحتلال ارتكب نحو 10 آلاف مجزرة دموية، منها 7160 مجزرة استهدفت عائلات فلسطينية بشكل مباشر. وأسفرت هذه المجازر عن إبادة 1410 عائلات بشكل كامل، حيث قُتل الأب والأم وجميع أفراد الأسرة، بإجمالي نحو 5500 شهيدًا من هذه العائلات. كما أُبيدت 3463 عائلة أخرى ولم يتبقَّ منها سوى فرد واحد، بإجمالي 7934 شهيدًا.
ووفق البيان، تسببت الحرب في مآسٍ إنسانية هائلة، حيث يعيش الآن 35 ألف طفل بدون والديهم أو أحدهما، فيما فقدت أكثر من 12 ألف امرأة زوجها.

وقد بلغ عدد الأطفال الشهداء 17581 طفلًا، من بينهم 223 رضيعًا وُلدوا واستشهدوا خلال الحرب، بالإضافة إلى 837 طفلًا لم تتجاوز أعمارهم العام الواحد. كما استُشهدت 12048 امرأة جراء القصف الإسرائيلي.
هذه الإحصاءات تعكس حجم الدمار الهائل والمعاناة غير المسبوقة التي يعيشها سكان غزة، وسط ما وصفته الوزارة بأنه "إبادة جماعية مستمرة"، ودعت المجتمع الدولي للتحرك العاجل لوقف الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية، أصدرت مؤخرًا، مذكرتَي اعتقال دوليتين بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير جيشه يوآف غالانت، بتهمة "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب خلال الحرب على قطاع غزة".
ملاحقة "نتنياهو" ووزير جيشه
ويرى مدير عام الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، الخبير القانوني صلاح عبد العاطي، أن تحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين يتطلب مسارًا معقدًا لكنه ممكن عبر القانون الدولي.
وقال عبد العاطي لـ"نوى": "الخطوة الأولى التي يجب أن نقوم بها هي توثيق الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين. هذا التوثيق يُعد أساسًا لرفع الدعاوى أمام المحاكم الدولية".

وأشار إلى أن محكمة الجنايات الدولية تعد من أبرز الهيئات القانونية التي يمكن أن تسهم في محاسبة المسؤولين الإسرائيليين، وقال: "إصدار مذكرة اعتقال بحق شخصيات إسرائيلية مثل رئيس الوزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يوأف غالانت سيكون خطوة مهمة، إذ يعني ذلك أن هذين الشخصين متهمان بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مما يضع قيودًا على حركتهما الدولية ويزيد من الضغوط السياسية على إسرائيل".
في الوقت ذاته، يؤكد أن إصدار المذكرات لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة الكاملة للفلسطينيين، إذ يتطلب تنفيذها تعاونًا دوليًا وقرارًا سياسيًا جادًا، وهو أمر غالبًا ما يتعرض للعراقيل بسبب النفوذ الإسرائيلي والدعم الغربي له.
وشدد عبد العاطي على أهمية استمرار الجهود الفلسطينية في الضغط السياسي والدبلوماسي، إلى جانب الحملات الشعبية والدولية، لضمان أن تبقى الجرائم الإسرائيلية في دائرة الضوء الدولي.
























