غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"بالزغاريد ودعتُهم" تقول أم مالك بارود في مطلع حكاية الفقد التي تجرّعَتها خمس مرات في هذه الحرب. كل مرةٍ بشكلٍ وطريقةٍ وغصٍة تحرق القلب بشكلٍ مختلف.
كانت الفاجعة الأولى التي ضربت قلب السيدة الخمسينية، حين أتى نجلها المسعف محمد منهارًا ليخبرها: "يما أخويا مالك شهيد". تخبرنا: "حينها أخذتُ نفسًا عميقًا، ووجدتني أشدُّ أزره: اصبر، أنت رجل يما، والشهادة تليق بمالك، والله تليق به".
"أوصاني قبل استشهاده بوقتٍ قصير، أن أدفنه إذا استشهد في قبرٍ واحد برفقة شقيقه مالك.. الله يسهّل عليه".
لم يكن وقع الخبر هينًا على السيدة المكلومة، فمالك ابنها البكر، لكنها وجدت نفسها فجأةً تردد: "الحمد لله، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرًا منها، الله يسهّل عليه".
بعد شهر وخمسة أيام من مشهد الوداع المُر ذاك، استشهد ابنها المسعف أيضًا. استهدفت طائرات الاحتلال محمد بارود أثناء أداء عمله في مدينة غزة، بشكلٍ مباشر.
تضيف: "أوصاني قبل استشهاده بوقتٍ قصير أن أدفنه إذا استشهد في قبرٍ واحد برفقة شقيقه مالك.. الله يسهّل عليه".
لم تكن أم مالك، تعلم بعد الفقدين المتتاليين، أنها ستُمنى بفقدٍ جديد بعد وقتٍ قصير. "فقدٌ مضاعف، لاثنين من أبنائي دفعةً واحدة: أحمد ومؤمن، اللذان استشهدا بعد قصف الاحتلال المسجد الأبيض في مخيم الشاطئ غربي غزة" تقول.
لم تكن أم مالك تعلم بعد الفقدين المتتاليين أنها ستُمنى بفقدٍ جديد بعد وقتٍ قصير. "فقدٌ مضاعف، لاثنين من أبنائها دفعةً واحدة: أحمد ومؤمن.
وتروي: "استشهدا وهما ساجدَين يُصلّيان جماعةً في المسجد. أتوا إليَّ بالخبر، وكأنني على استعداد لسماعه. صبرتُ واحتسبت، وكنت بدلًا من أن يمنحني الآخرين القوة، أصبّرهم أنا وأعطيهم القوة".
لم يكن فقدان الشبان الأربعة هينًا على قلب شقيقتهم حنين، فهم كانوا سندها الحقيقي. تقول والدتها: "حين جاء خبر استشهاد مؤمن وأحمد بنفس اللحظة، بكت حنين بكاءًا هستيريًا، وخارت قواها، حضنتُها وأخذت أواسيها بأنهم سبقونا للجنان".
"أنا دوري جاي وراهم"، هكذا ردّت حنين، ومهدت لوالدتها بذلك الخبر الجديد.. "كانت أمنيتها أن تستشهد، وتلتحق بإخوتها كلهم. "كانت توصيني بأن أدعو الله لتنال الشهادة" تخبرنا والدتها، التي كانت تجيبها على الدوام بقولها: "الله يوعدك يما، ويسهل عليكي".

بعد يومين فقط، تحققت أمنية حنين والتحقت بإخوتها، تاركةً أمها تتجرع مرارة الفراق وغيابهم الأبدي.
تقول أم مالك: "كانت حنين على رأس عملها في مدرسة أسماء بمخيم الشاطئ، حيث كانت تعمل في لجنة الطوارئ وتساعد النازحين في المدرسة".
وتردف: "قصفوهم دون أي إنذار، راحت حنين واستجاب الله لدعواتها".
لم تكتمل فرحة حنين بمناقشة الدكتواره. قتلها الاحتلال قبل يومين فقط من موعد مناقشتها.
وتضيف: "ناقشت حنين الخطة في ظروف الحرب القاهرة، وكانت ستناقش الرسالة فعليًا في الخامس عشر من هذا الشهر، لكن الله اصطفاها شهيدة". تعقب: "الحمدلله على قضاءه وقدره".
"ناقشت حنين الخطة في ظروف الحرب القاهرة، وكانت ستناقشها فعليًا في الخامس عشر من هذا الشهر، لكن الله اصطفاها شهيدة".
"كيف تعود الديار أمانًا، وقد رحل أمانها؟"، تتساءل أم مالك بعدما فقدت أبناءها شهداء، في حين بقي مصير زوجها مجهولًا، في عداد المفقودين.
تردف: "أثناء طهي الطعام لبناتي الثلاثة الباقيات معي، أتمنى لو أنهم يحضرون جميعًا ليأكلوا مما أصنع. أفتقدهم في الأحاديث والجلسات والضحكات"، وتضيف: "الحياة من بعدهم غربة".
تمكنت أم مالك من دفن أبنائها الخمسة، لكن كل واحدٍ في منطقة. تقول: "في منتزه بمخيم الشاطئ دفنت أحمد ومؤمن وبجوارهما حنين، أما محمد فقد دفنوه في ساحة مجمع الشفاء الطبي، في حين دفن مالك بمقبرة الشيخ رضوان".
لا يخلو يوم إلا وتزور أم مالك أبنائها وتسرد لهم حكاياتها اليومية، تحادثهم، وتضحك معهم، وتشكو شوقها وهمومها من بعدهم"، وبعدما تنتهي، تعاتبهم بصوتها المليء بالحزن والعجز: "طيب ليش ما أخذتوني معكم؟ كان هلقيت كلنا مع بعض".
وحين تنتهي الحرب، ما أول شيء ستفعلينه؟ سألتها "نوى" فأجابت: "سأجمع جثامين أبنائي الخمسة وأدفنهم في قبر واحد، كي أزورهم يوميًا، وأطمئن أنهم بجوار بعضهم البعض".
























