شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م15:53 بتوقيت القدس

مكتبة د.عبد الله مقاط

"مخزنٌ للمعرفة" أحرقه جنديٌ في "التفاح"!

13 نوفمبر 2024 - 12:43

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في زاويةٍ من زوايا بيته المُدمّر، وقفَ الدكتور عبد الله مقاط أمام حُطام مكتبته واجمًا، يحمل في قلبه خليطًا من مشاعر الحزن والغضب والقهر.

لم يتبقَّ له هنا إلا ذكريات قديمة، لسنواتٍ من العطاء والإنفاق، في مكانٍ كان يرفده راضيًا بكل جديد من كتب العلم والثقافة والإبداع.

بدأت الحكاية مع أول كتيّب اشتراه من مصروفه الخاص، مقتصدًا، مقترضًا من هنا وهناك، بينما كان يسير إلى جامعته أحيانًا مشيًا على الأقدام؛ لتوفير ثمن المواصلات.

لم يكن الأمر يسيرًا، بل كان تحديًا للظروف في كل مرةٍ تمنى فيها اقتناء كتاب يُضيفه إلى رفوف مكتبته المتواضعة.

يقول الدكتور مقاط بحسرة: "بدأتُ بتأسيس مكتبتي الخاصة عام 2001، بالتزامن مع دخولي إلى المرحلة الجامعية. كنت أخصص مصروفي لشراء الكتب، بل وكنت أقترض من أجلها، رغم ذلك، كنتُ أعيش سعادةً لا توصف كل مرةٍ أعود فيها بكتاب جديد".

بعد فترة من الزمن والتعب، تجاوز عدد الكتب في المكتبة خمسة آلاف كتاب. حفظ أسماءها كلها، وعدد مجلداتها، وكان يعرف مكان كل واحدٍ فيها دون الحاجة إلى أرقام أو أجهزة حاسوب، وعندما كبُرت مكتبتُه، أصبحت أسرته الثانية، يقضي فيها معظم أوقاته ويعدّها نافذته إلى عالم آخر، بعيدًا عن ضجيج الحياة ومتاعبها.

يضيف د.مقاط: "كنت أقضي معظم أوقاتي بداخلها؛ إذ كانت روحي وسلوتي. كنت أقرأ فيها أكثر من نصف ساعات اليوم، وكان لكل كتابٍ بداخلها حكاية طويلة معي".

بلغت مساحة المكتبة التي أطلق عليها صاحبها اسم "منارة العلم" حوالي 90 مترًا، أي نصف مساحة منزله الخاص، وقد اعتاد طلبة العلم على التردد عليها، مستفيدين من العدد الكبير من المراجع التي تساعدهم في كتابة الأبحاث، "بالإضافة إلى قسم مخصص لمشاهدة الأفلام الوثائقية المفيدة، ومناقشة رسائل الماجستير لطلبة الجامعات الفلسطينيين خارج قطاع غزة" يتابع.

"هذا كله سحقه حقد الاحتلال" يعقب بحسرة، فقبل نحو خمسة أشهر، اجتاح الاحتلال حي التفاح شرقي مدينة غزة بريًا، حيث يقع منزل الدكتور عبد الله ومكتبته.

كان يتخذها وعائلته مأوىً من القصف والقذائف؛ لوجودها في الطابق الأرضي، الذي يعدُّ أكثر أمانًا نسبيًا في بعض المناطق.

يتنهد طويلًا، ثم يكمل: "دخل جيش الاحتلال إلى المكتبة، وجدها الجنود مليئة بالكتب العلمية والشرعية البحتة، ولا تحوي أي كتب سياسية، فأشعلوا فيها موادًا لا أعلم ما هي، وأحرقوها بالكامل. لم يتبقَ منها ورقة واحدة سليمة تؤنسني، حتى الجدران والأسقف تهالكت واحترقت".

أضرم جيش الاحتلال النار في "منارة العلم". احترقت الكتب والكتيبات والمراجع، تبخّرت سنوات طويلة قضاها في بناء تلك المكتبة، لم يبقِ الاحتلال حتى ورقة واحدة، ولم يكتفوا بحرق الكتب، بل دمروا البيت بالكامل، وجرّفوا الأرض من حوله.

يخبرنا: "كان قلبي يقطر دمًا على مكتبتي. كتبي، رفاقي الذين على الرفوف وقد التهمتهم ألسنة النيران".

وبألمٍ يصف المشهد: "عند عودتي من النزوح كانت الصدمة. دخلت مكتبتي فوجدتها رمادًا". توقف لبرهة، ثم أكمل بتنهيدة طويلة: "تذكرت العمر الطويل الذي قضيته في تجميع الكتب من السعودية والعراق ومصر وغزة والعديد من دول العالم".

لم تكن مكتبته مجرد جدران وكتب، بل كانت سلوته وروحه -كما يصف- كان يقضي فيها جل يومه، ويغرق فيها في عوالم النصوص والمعاني والتفاسير، ولا يتركها إلا لصلاته، أو لأمرٍ جلل.

"أسميتها "منارة العلم"؛ لأنها كانت منارة لكل من دخلها واستعان بها في مسيرته التعليمية والحياتية. كانت جزءًا من كياني الذي دمّره الاحتلال".

يقول الدكتور مقاط بقلب مكلوم: "كانت مكتبتي تضم أبحاثي الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه، وكانت أبوابها مفتوحة دائمًا لطلبة العلم. كان قلبي ينبضُ فرحًا حين أجدهم يجلسون بالساعات يقرأون فيها. هيأتُ لهم الأجواء الداخلية للمبيت والراحة أحيانًا لاستكمال أبحاثهم".

ويختم حديثه: "الحديث عن مكتبتي لا ينتهي، ولا تكفيه السطور والحروف. أسميتها "منارة العلم الشرعي"؛ لأنها كانت منارة لكل من دخلها واستعان بها في مسيرته التعليمية والحياتية. كانت جزءًا من كياني الذي دمّره الاحتلال، ودمر معه لحظاتي وذكرياتي الجميلة التي قضيتها بداخلها".
وبرغم الألم العميق الذي زرعه الاحتلال في قلب الدكتور عبد الله مقاط، بعد أن أحرق سلوة روحه وحوّلها إلى رماد، إلا أن الأمل بقي نابضًا في قلبه وعقله. يختم: "أؤمن بأن العوض قريب، وأن الحق سيعلو فوق كل هذا الرماد".

كاريكاتـــــير