شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م23:32 بتوقيت القدس

مشروع تعليمي قتلته الحرب في مهده..

في مخيمٍ للنزوح.. تعيد أمل "غرس" الحلم!

06 نوفمبر 2024 - 12:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

خسائرها في هذه الحرب كانت باهظة كغيرها من نساء غزة. بين فقدان المنزل والنزوح من شمالي القطاع إلى جنوبه، وغيرها من صنوف المعاناة المتواصلة لأكثر من سنة، تبرز الخسارة الأكبر بالنسبة للشاعرة الغزّية أمل أبو عاصي (روضة غرس)!

حلم سبعة عشر عامًا بعثرته الحرب، وتركته ركامًا على الأرض وفي قلب صاحبته! عملت وتعبت وادّخرت المال لتبني روضةً نموذجيةً للأطفال، تؤسس لشخصيّات فذّة مبدعة، مستقبلٍ مختلف عنوانه حرية الرأي والتعبير، والدفاع عن قيم الحق والصدق والأمانة.

"كانت فرحة عمري الكبرى، لكن الأمور كلها انقلبت في ذلك اليوم! دُمرت الروضة على ما فيها من أثاث وشغف، ووجدت نفسي في الجنوب أنتظر".

قبيل الحرب التي أعلنتها دولة الاحتلال الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، بشهرٍ واحد، افتتحت أمل الروضة، وبعدها بشهرٍ قُتل الحلم في مهده بصواريخ تضرب بعرض الحائط إنسانية الهدف، طالما أنه "فلسطيني".

"أسميتها غرس" تقول، وتضيف بحرقة: "كانت فرحة عمري الكبرى، لكن الأمور كلها انقلبت في ذلك اليوم! دُمرت الروضة على ما فيها من أثاث وشغف، ووجدت نفسي في الجنوب أنتظر.. لا أعرف ماذا؟ لكن هذا ما أستطيع فعله الآن".

مضى الكثير من الوقت حتى استطاعت أبو عاصي استيعاب الظروف الجديدة التي أصبحت تعيشها، من نزوح وفقدان للمنزل والحلم، لكن الواقع الصعب المعاش في مخيمات النزوح جعلها تؤمن بأن "من منحه الله بذرة خير عليه ان يأخذ بزمام الأمور، وينتقل نقلة نوعية بالجيل، فعملت على إنشاء "مدرسة" للمرحلة الأساسية في مخيمات النزوح حملت اسم حلمها ذاته: "غرس".

تخبرنا: "هذه المحاولة النوعية هدفها احتضان الجيل، وتقديم الرعاية العلمية والثقافية والأخلاقية والوطنية من أجل إنضاج شخصيات الأطفال، أو على الأقل من أجل ممارسة عملية تعليمية سليمة بالحد الأدنى في المرحلة الحادة من الطوارئ التي نعيشها الآن".

وتشير أبو عاصي إلى أن مدرسة "غرس" التي تُعنى بالأطفال من الأول للسادس، هي امتداد لروضة "غرس" الحديثة التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي في غزة بعد شهر على افتتاحها، "لكن البذرة الصالحة والفكرة الحية لا تموتان، لذلك استمرت غرس واحتضنتها تربة الجنوب لتنمو من جديد وهي تحمل على عاتقها إصلاح الجيل".

وبيّنت أن هذه الفكرة برزت  تحديدًا من المشاهد اليومية التي نراها للأطفال وهم على طوابير الخبز والماء والتكيات، بدلًا من أن يكونوا على مقاعد الدراسة، يدونون أفكارًا وقيمًا وآراء، مردفةً بالقول: "نعم خسارة الروضة كانت صاعقة كبيرة لا سيما أنها كانت حلمي الكبير، لكنني استأنفته هنا.. استأنفته بفكرة أكبر: مدرسة تحمل شعار "أبناؤنا غرسنا.. علم + عمل + أخلاق = نهضة".

ومضت تتابع: "نحن نسعى إلى إنشاء طفل مبادر قيادي. طفل سليم ذهنيًا ووطنيًا ودينيًا وجسديًا من خلال البرامج التعليمية، وبرامج المساندة، كاللياقة البدنية، والحكواتي، وفن الإلقاء، وسفير فلسطين، والقائد الصغير، والتفريغ النفسي، والفنان التشكيلي، والطبيب. كل برنامج يقدمه متخصصون، وكلهم يعملون مجتمعين على تشكيل شخصية الطفل، عبر الاتصال بأهداف مترابطة تسعى غرس للوصول إليها".

ونوهت إلى أن البرامج الأساسية في المدرسة هي التي أقرتها وزارة التربية والتعليم، وتشمل اللغة العربية، والرياضيات، واللغة الإنجليزية، ويضاف إليها العلوم للمرحلة من الرابع للسادس، مستدركةً: "لكن هناك برامج مساندة خاصة بغرس يقوم عليها ويقدمها فريق من المتخصصين في مجالات متنوعة، كل في مجاله".

وأشارت إلى أن  كل العاملين في المشروع يعملون تطوعًا، ولا يوجد رواتب توفرها في جهة معينة لهذه الكوادر التي خرجت رغم حر الخيمة والواقع الصعب والحاجة الشديدة والمأساة؛ لتؤدي واجبها الديني والوطني والأخلاقي تجاه أطفالنا النازحين في غربي خانيونس.

وبينت أن العاملين في المدرسة انطلقوا لأداء واجبهم لإدراكهم أنهم أمام معركة حقيقية، تهدف لتشويه المعطيات المستقبلية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، قائلةً: "كان علينا أن نأخذ زمام المبادرة مهما كان الواقع صعبًا، هذا الواقع يمكن أن يصبح أسوأ في حال عدم افتتاح مراكز تعليمية على اختلاف أماكن تواجدها وإدارتها، وعدم إعادة الطفل إلى مكانه الصحيح على مقاعد الدراسة".

وتابعت أبو عاصي: "في الوقت الذي يهرب فيه الطفل من صاروخ هنا أو موت هناك، كان عليه أن يكون على مقاعد الدراسة بين كتبه وكراساته، يحمل ساندويشته وبعض الخضار والفواكه. يحاول أن يلعب في وقت الفسحة، هذه كلها أبسط معالم الطفولة التي حرم منها الأطفال في مخيمات النزوح"، مشيرةً إلى أن "غرس" تحاول أن تمثل اليوم حاضنة مهمة لهم، عبر توفير تعليم مجاني ورعاية تامة وكاملة، وتثقيفًا كبيرًا، وصناعة للشخصية.

ونوهت إلى أن المكان تم بناؤه بجهود الخيرين من أهل الدعم والعطاء في ألمانيا، بالإضافة لدعم جمعية "سنابل" التي تكفلت ببناء السور الخارجي للساحة، ناهيكم عن جهود عدد من الأصدقاء الذين تكفلوا بالأمور اللوجستية والتشغيلية.

وزادت: "نعاني من تكدس في الصفوف، رغم أنه لدينا فترتان صباحية ومسائية. في كل فترة مئة وخمسون طالبًا في الصف الواحد، وهذا عدد كبير جدًا"، مكملةً: "نحن بحاجة إلى إنشاء صف إضافي كي نخفف الازدحام، بالإضافة إلى بناء معرش في الساحة الخارجية كيف نخفف أثر الشمس الحارقة على الأطفال، وأيضًا نحتاج إلى كراسي".

ورغم أن المدرسة صممت "طبليات" خشبية صغيرة، تسمح للطفل الجالس على الأرض بالكتابة عليها، "إلا أنها تعد جلسة غير صحية بالنسبة لطفل في أول عمره المدرسي" تعقب أبو عاصي، التي ناشدت المختصين، والقادرين بضرورة توفير طاولات وكراسي ما أمكن ذلك، "وألواح طاقة شمسية لإنارة الصفوف المعتمة نسبيًا".

كاريكاتـــــير